فهرس الكتاب
مستحقين للذم والعقاب عند كل عاقل، فكذلك من يفعل فعله بإرادته ومشيئته وقدرته، ثم يقول ربي هو الذي قدر علي ذلك وخلقه فيَّ، فلا دخل لي بعملي؛ لكان كذلك مستحقًا للذم والعقاب، والعقل الإنساني لا يقبل في هذه المسألة إلا ما دل عليه الشرع، ولا يجد محيدًا عنه أبدًا؛ لأنه الحق والوسط بين طرفين كلاهما باطل عقلًا وحِسًا وشرعًا، إذ أن أحد الطرفين هو طرف إبليس وأشباهه من الجبرية (أو القدرية الإبليسية) القائلين: «لو شاء الله ما أشركنا» ، والقائلين: «بما أغويتني» ، نافين مسئوليتهم عن أفعالهم، مبررين كفرهم ومعاصيهم بالقدر، وقد ذكرنا بطلان ذلك عقلًا وشرعًا لأن الله سبحانه أثبت للعباد قدرة وإرادة بها تقع أفعالهم فقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ؛ فأثبت لهم مشيئة بها يقع إيمانهم أو كفرهم، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال جل ذكره: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] . فأثبت للعباد قدرة واستطاعة بها يقع فعلهم: وهي سلامة الحواس والآلات من عقل وسمع وبصر، وحركة وحس، ويد ورجل، وبلغهم الشرع علي ألسنة الرسل؛ فلزمتهم الحجة، واستحقوا الثواب والعقاب علي أعمالهم؛ عدلًا منه وحكمة، وأما الطرف الآخر فهم القدرية النفاة: الذين ينفون تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية، وأنها واقعة بقدره وخلقه عز وجل لها، بل يقولون أن العباد فاعلون لأفعالهم، بلا مشيئة لله فيها، وهم الخالقون لتلك الأفعال، وهذا باطل قطعًا: شرعًا وعقلًا وحسًا؛ قال تعالي: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام:125] ، وقال تعالي: {مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] ، وقال تعالي: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] ؛ فمشيئة العباد ثابتة، وهي تابعة لمشيئة الرب سبحانه؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن تأمل نشأة الإنسان من العدم، وخروجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ولا يعقل شيئًا، ولا يقدر علي شيء، ثم توجد فيه الرغبات من حيث لا يدري ولا يختار: من جوع وعطش، ثم حب تملك، ثم حب التميز والتفرد والأنانية، ثم الشهوة الجنسية، وغيرها من الإرادات والرغبات؛ لأيقن أن هذه الإرادات