فهرس الكتاب
مخلوقة، لا يملك الإنسان إيجادها من عدم، وكذلك عقله وكلامه، وسمعه وبصره التي بها يحصل له العلم، ثم القدرة والإرادة كلها كانت عدمًا محضًا، ثم خلقت فيه فما ترتب عليها قطعا مخلوق أيضًا، والعوامل التي تؤثر في اختيارات الإنسان: من طبيعة المجتمع والأسرة، والدين الذي ينشأ عليه صغيرًا، والتعليم واللغة، والمخالطين له، وغير ذلك من عوامل التأثير علي الشخصية والأخلاق: كنسبة الذكاء، والأخلاق الجبلية كل هذه العوامل لا يختار الإنسان منها شيئًا، وهو يُولد بلا اختيار لزمن وجوده، ولا لمكانه، ولا لوالديه، ولا لوطنه، وجنسه؛ فكيف يقول عاقل بعد ذلك: أن قدرته تامة، وأن إرادته مستقلة، لا سلطان لأحد عليها، ولا لله عز وجل تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا؟!، فإرادة الإنسان وقدرته موجودة غير معدومة، لكنها مقيدة غير مطلقة، وهو فاعل ليس بخالق، كما أنه منفعل لما يقع عليه من أفعال الرب سبحانه؛ فالعبد مصلي، والله جعله مقيمًا للصلاة، والعبد مهتد، والله هداه، والعبد الآخر ضال، والله أضله؛ فهو فاعل منفعل، مخلوق غير خالق، له إرادة مخلوقة، وقدرة مخلوقة، وفعل مخلوق، لا يقبل العقل السليم شيئًا غير هذا الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وهذه المسألة من أخطر المسائل التي ضل فيها أمم وشعوب، وفلاسفة ومفكرون؛ منهم من تابع إبليس، ومنهم من رد عليه بشر مثل شره، وكفر مثل كفره، وهدي الله أهل الإيمان أبناء أبيهم آدم، وأتباع رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم إلي الصراط المستقيم، والحجة القويمة، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم. وقارن بين سوء أدب إبليس مع ربه، وسوء ظنه به، وإصراره علي الكفر والزيادة فيه في المستقبل، وبين أدب آدم عليه السلام وزوجه، وحسن ظنهما بربهما، وسوء ظنهما بنفسيهما؛ حين قال: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ؛ فإن هذه المقارنة ترشدك إلي معرفة قبس من نور الحكمة والعدل في المصير الذي صار إليه كل منهما، وأن الله ما وضع الإيمان والهدي والتوبة والإنابة إلا في مواضعها، وما وضع الكفر والظلم والكبر إلا في مواضعها، والحمد للَّه رب العالمين. وفي قوله تعالي عن إبليس: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: