فهرس الكتاب
وسمَّي إرهاب الناس بالظلم والبغي وغصب حقوقهم وترويعهم وطردهم من ديارهم بل من بلادهم بالكلية أمنا سياسيًا وحقا في أرض الميعاد، وغير ذلك كثير كثير يموج العالم من تسمَّية الحق باسم الباطل، وتسمَّية الباطل باسم الحق تزيينًا للبشر وإغواءً لهم حتى يرتكبوا ما نهاهم الله عنه إما وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإما وهم علي معرفة بباطلهم ولكن فسدت إرادتهم ورغباتهم حتى أحبوا الكفر والفسوق والعصيان، وكرهوا الطاعة والإيمان؛ فهو يأتيهم إما من فساد التصور والاعتقاد المستلزم لفساد القصد والفعل؛ وإما من فساد القصد والإرادة الذي يتبعه بالضرورة انطفاء نور العلم من القلب؛ فالأول هو الضلال الناشيء عن التزيين، والثاني هو الغواية الناشئة عن انقلاب الفطرة وانعكاسها، هذان الأمران الضلال والغي هما سبب هلاك بني آدم، وقد نزه الله نبيه صلي الله عليه وسلم عنهما قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1، 2] ، وذلك لكمال القوة العلمية المبصرة، ولكمال القوة العملية الإرادية المحركة، وإنما ينشأ الضلال والغي عن نقصهما أوزوالهما بالكلية، وقد وصف الله المخالفين للرسل بذلك في غير موضع: منها فاتحة الكتاب {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ؛ فالمغضوب عليهم الذين علموا الحق وعارضوه وعاندوه وكرهوه، وذلك هو الغي وفساد الإرادة والمحبة، والضالون هم الذين لم يعلموا الحق وبالتالي لم يعملوا به، وذلك هو الضلال وفساد التصور، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» ، وقد وصف الله المشركين بذلك أيضا؛ فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] ؛ فإتباع الظن هو الضلال، وإتباع الهوى هو الغواية، والهدي هو كمال القوة العلمية، وكمال القوة العملية، وإتباعه هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهم عباد الله المخلصين الذين استثناهم إبليس من تزيينه وإغوائه؛ فقال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] ، وقريء بكسر اللام وبفتحها؛ فعلى قراءة المخلِصين يكون الإخلاص من فعلهم؛ فهم الذين أخلصوا دينهم لله، وأفردوه بالعبادة، وتوجهت إليه وحده إرادتهم، وبالإخلاص يعصم الله عبده من الشيطان، ويصرف عنه السوء