فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 102

الدنيا علي الله! وما أقصرها! وما أحقرها! إذ مد عمر إبليس إلي نهايتها! ويزداد إبليس في جراءته وكبره؛ فيقول لربه {أَرَأَيْتَكَ} تأمل هذا الكفر المتزايد كيف انفجر من قلبه علي لسانه؟! يقول لربه: {أَرَأَيْتَكَ} كأنه يتوعد ربه عز وجل علي تكريمه لآدم بفعل خلاف ما أراد من تكريم بني آدم، وهو علي كبره جاهل عنيد، لا يدري أن تكريم آدم وبنيه لا سبيل له لإبطاله؛ لأن المقصودين من هذا التكريم هم أهل الإيمان: الأنبياء والصالحون، وهؤلاء لا يستطيع إبليس إليهم سبيلًا، والباقون من بني آدم: الذين لم يعبدوا الله، واتبعوا إبليس ليسوا من آدم حقيقة، وإن كانوا منه نسبًا: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] ، وقد خلقهم الله ليكمل للمؤمنين عبوديتهم لربهم: بمجاهدتهم، وصبرهم علي أذاهم وعداوتهم، وغير ذلك من أنواع العبودية؛ فجهل اللعين أن كل ما ينوي فعله لا يؤثر علي التكريم الذي أراده الله لآدم وذريته الحقيقيين؛ قال تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} ، قال ابن كثير -رحمه الله-: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ} يقول للرب جراءة وكفرًا، والرب يحلم ويُنْظِر، {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} الآية. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول لأستولين علي ذريته إلا قليلًا، وقال مجاهد: لأحتوين، وقال ابن زيد: لأضلنهم. وكلها متقاربة، والمعنى أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليَّ لئن أنظرتني لأضلَّن ذريته إلا قليلًا منهم، وفي الآية رد علي الجهمية القائلين: الإيمان هو المعرفة. فإبليس حال كفره يقر بالخالق فيقول: {خَلَقْتَ طِينًا} ويعرف أن الله كرم آدم عليه؛ فلم يجهل أنه أُمِر بالسجود له تكريمًا وتشريفًا، وعلم أنه داخل في عموم الأمر ويعلم أن الله هو الذي يحيي ويميت ويؤخر من يشاء ولهذا قال: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فكل هذا دليل قاطع علي بقاء المعرفة في قلبه، ولكن لما زال عمل القلب: من الخضوع والانقياد لله سبحانه، وحل محله الكبر والإباء، وسوء الظن بالله، وجهله بكمال صفات الرب سبحانه، وإن لم يكن يجهل وجوده، وبعض الصفات الأخري كما أشرنا، ولما عادي ربه، وتجرأ عليه، وعاداه، ورام عكس إرادته سبحانه كفر وهلك عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. والعجب أن إبليس يتجرأ هذه الجرأة علي الله، وهو يطلب منه التأخير؛ فهذا دليل على أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت