فهرس الكتاب
ليس كل داع أو طالب من الله شيئًا يكون مؤمنًا، حتى يكون طلبه ودعاؤه علي سبيل الذل والخضوع والاعتراف بالفضل، ووجود الحب والانقياد، لا الكبر والإباء والكراهية لأمره سبحانه وبحمده. وفي قوله: {إِلَّا قَلِيلًا} دليل علي علم إبليس بأن القلة من بني آدم هي التي تخالفه وتعصاه، ولا يتسلط عليها. فيا أيها المؤمن: انظر إلي تكريم الله لك وشرفك ومنزلتك عنده، حتى أعلم عدوه قبل وجودك أنه لا سلطان له عليك، ولا استيلاء ولا إضلال؛ فاشكر نعمة الله، واثبت علي طاعته، وتوكل عليه في دفع وسوسة عدوه وكبره، والله المستعان. ثم لا تستوحش من قله السالكين؛ فقد قضي الله القضية قبل خلقنا: أن القلة هي الناجية من تسلط إبليس؛ فلا تغتر بكثرة الضُلاَّل الهالكين. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا علي دينك. قال تعالى: {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 63 ـ 65] .قال ابن كثير -رحمه الله- لما سأل إبليس النظرة قال الله له: اذهب فقد أنظرتك كما قال في الآية الأخرى: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر: 73، 83] ، ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم: {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي علي أعمالكم: {جَزَاءً مَوْفُورًا} .قال مجاهد: وافرًا. وقال قتادة: عليكم لا يُنقص لكم منه. وقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء؛ أي: استخفهم بذلك.