فهرس الكتاب
فقال الوليد، وهو أحد من استشارهم معاوية رضي الله عنه:
دعهم يذوقون من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان بن عفان حين حاصروه في الدار.
فكان هذا رأيًا آخر، والذي حاصر عثمان رضي الله عنه، ومنعه الماء إنما هم أهل الفتنة، وهم يقولون:
إن جيش علي يأوى هؤلاء القتلة، ويجب أن يذوقوا ما ذاقه عثمان بن عفان.
فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح:
امنعهم الماء إلى الليل، فلعلهم يرجعون إلى بلادهم.
وبعد تشاور، وتباحث بين الفريقين اتفقوا على أن يشرب الجميع من الماء دون قتال.
فكان ديدنهم- سبحان الله- أن يقاتلوا حتى إذا كفّ القتال، ذهبوا جميعًا، فشربوا من الماء دون أن يتقاتلوا عند الماء، ثم يأخذ كل فريق قتلاه من ساحة المعركة، فيدفنوهم، ويصلّون عليهم، وهكذا كل يوم.
في اليوم الثالث من هذه الحرب أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مجموعة أخرى لمعاوية رضي الله عنه، فأرسل له بشير بن عمرو الأنصاري، وسعيد بن قيس، وشُبيس بن ربعي، وقال لهم:
ايتوا هذا الرجل- يعني معاوية- فادعوه إلى الطاعة، والجماعة، واسمعوا ما يقول لكم.
فلما دخلوا على معاوية، بدأ بشير بن عمرو الأنصاري، فقال:
يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك، ومجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله ألا تفرّق جماعة هذه الأمة، وألا تسفك دماءها بينها.
فقال له معاوية رضي الله عنه: هلّا أوصيت بذلك صاحبكم.
يعني عليَا رضي الله عنه.
فقال له: إن صاحبي أحق هذه البرية بهذا الأمر؛ لفضله، ودينه، وسابقته، وقرابته، وإنه يدعوك إلى مبايعته، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في آخرتك.
فقال معاوية رضي الله عنه: ويُتْرَك دم عثمان، لا والله لا أفعل ذلك أبدًا.
فالقضية عند كل من الطرفين واضحة تمامًا، ولا يرى أي خطأ فيما يراه، ويقاتل كل منهما على رأيه حتى النهاية.