فهرس الكتاب
وإني غال مصحفي فهو رضي الله عنه يتأول الآية، وإنما الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، ولكن عبد الله بن مسعود يريد أن يقول أنه سيحتفظ بمصحفه هذا ولن يوافق على حرقه ليأتي به يوم القيامة، وقد كان يريد رضي الله عنه أن يكون من الفريق المكلف بكتابة المصحف، لأنه كان ممن أثنى على قراءتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا باتفاق ولكن كانت لهجته- كما ذكرنا- تختلف عن لهجة قريش، ورخص له النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة بلهجته، ولكن الأمر الآن يتجه إلى جمع الناس على مصحف واحد، ويجب أن يكون باللسان الذي نزل به القرآن، وهو لسان قريش، فلما فعل ذلك عبد الله بن مسعود أجبره عثمان رضي الله عنه على حرق مصحفه، فعاد إلى المدينة يناقش عثمان رضي الله عنه والصحابة جميعا في هذا الأمر، واجتمع كبار الصحابة على عبد الله بن مسعود، وأقنعوه بالأمر، وأن هذا الأمر فيه الخير للمسلمين، فلما علم ذلك رجع عن رأيه، وتاب عنه بين يدي عثمان رضي الله عنه، وعادت العلاقة بينه وبين عثمان رضي الله عنه كما كانت قبل هذه الحادثة. وهذه الروايات باتفاق.
ونحن كما نرى هذا الموقف، فقد كان من الصعب بداية على عبد الله بن مسعود أن يقوم بحرق مصحفه الذي ظل ما يربو على عشرين سنة يكتب فيه آي الذكر الحكيم التي يسمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمثل هذه المصحف شيئا عظيما في حياته، ويربطه بكل ذكرياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعا فقد كان جزءا لا يتجزأ من حياته، فكان هذا رد فعله ابتداء، ولكنه لما علم الحق واقتنع به رجع عن رأيه وتاب عنه، ولم يخطأ عثمان رضي الله عنه إطلاقا في حقه ولم يضربه ولم يمنعه عطاءه.