الطروب- هنالك تحت شفوف الأسحار الوردية من ليالي القرية الوادعة الحالمة جثم على صدري صنم صغير يعبده كثير من شيوخ القرية، كنت أجلس بين شيوخٍ تغضنتْ منهم الجباه، وتهدلت الجفون، ومشى الهرم في أيديهم خفقات حزينة راعشة، وفي أجسادهم نحولًا ذابلًا يتراءون تحت وصوصة السراج الخافت أوهامَ رجاءٍ ضيّعتْه الخيبة، وبقايا آمال عصف اليأس.
كانت ترانيم الشيوخ -ومن بينها صوت الصبي- تتهدج تحت أضواء السحر بالتراتيل الوثنية، وما زلت أذكر أن صلوات ابن مشيش ومنظمة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ، ومازلت أذكر أن أصوات الشيوخ كانت تَشْرُق بالدموع، وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: (اللهم انشلني من أوحال التوحيد) (!!!) ومن الثانية: (وجُد لي بمجمع الجمع منك تفضلا) (!!!) ...
يا للصبي الغرير التعس المسكين!! فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتًا وصفةً، ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله، ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه.