الصفحة 2 من 75

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز

إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا

وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون.الحجرات

قال سيد قطب -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:"فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله؛ التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب ولا تهجس فيه الهواجس ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله؛ فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب في واقع الحياة في دنيا الناس؛ يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة؛ ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه والصورة الواقعية من حوله؛ لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة؛ ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس؛ فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن؛ يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه؛ ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس؛ والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني؛ وواقعة العملي؛ وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعة العملي الناقص الشائن المنحرف؛ فلابد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله؛ حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية."

{أولئك هم الصادقون} .. الصادقون في عقيدتهم؛ الصادقون حين يقولون: إنهم مؤمنون؛ فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب؛ ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة؛ فالإيمان لايتحقق؛ والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون.

ونقف قليلا أمام هذا الاحتراس المعترض في الآية: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} .. إنه ليس مجرد عبارة؛ إنما هو لمس لتجربة شعورية واقعية؛ وعلاج لحالة تقوم في النفس حتى بعد إيمانها .. {ثم لم يرتابوا} وشبيه بها الاحتراس في قوله تعالى00 {إن الذين قالوا ربنا الله .. ثم استقاموا00} فعدم الارتياب؛ والاستقامة على قولة: ربنا الله؛ تشير إلى ما قد يعتور النفس المؤمنة -تحت تأثير التجارب القاسية، والابتلاءات الشديدة- من ارتياب ومن اضطراب؛ وإن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل، ونوازل تزعزع؛ والتي تثبت فلا تضطرب، وتثق فلا ترتاب، وتظل مستقيمة موصولة هي التي تستحق هذه الدرجة عند الله.

والتعبير على هذا النحو ينبه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة، لتعزم أمرها وتحتسب، وتستقيم، ولا ترتاب عندما يدلهم الأفق، ويظلم الجو، وتناوحها العواصف والرياح!"."

الظلال (6/ 3350)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت