فلنتناول كل واحدة من هذه الوصايا بشيء من التقصيل..
صم يوما شديد الحر ليوم النشور
انها دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سلك سبيل الله من المؤمنين والداعة الى ترويض النفس، وتعويدها على شظف العيش وخشونة الحياة، وحرمانها أحيانا مما تحب وتهوى حتى يسلس قيادها ويسهل مقادها"تخوشنوا فان النعم لا تدوم".
انه أسلوب عملي في التربية الربانية.. أسلوب له اثره العميق في تهذيب النفس وتشذيبها، وفي تعبيدها لله رب العالمين.
انه لا يكفي أن نؤمن بالله ايمانا نظريا، أو نتكام عن التربية الربانية كلاما لا يجاوز الأسن أو الآذان.. بل لا بد من ممارسات عملية تستخلص النفس من أدرانها وشوائبها، وترتقي بها في مدارج الكمال..
والصوم أحد أبرز الرياضات النفسية.. فهو يقويّ الارادة، ويجعل للايمان والتقوى قوامة على الجسد وحاجته العضوية.. بل يجعل الجسد مطية الروح..
فالبصوم يرهف الحس، ويتعاظم الشعور، ويصفو الفكر وتشف النفس..
ولهذا كان ثواب من صام لله ايمانا واحتسابا في أيام شديدة الحر، أن يعافيه الله من حر يوم القيامة.. فالجزاء من جنس العمل، ان كان خيرا فخير، وان كان شرا فشر: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} .
انه قياس مع الفارق الكبير والكبير جدا أن يقلس بين حر الدنيا وحر الآخرة، وبين مشقة الصوم في يوم حار ومشقة يوم النشور ولكنه كرم الله وفضله: { يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما. يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه. كلا انها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى} .