الصفحة 125 من 169

أقول: اعلم أرشدنا الله وإياك لطاعته ووفقنا جميعًا لسلوك سبيل مرضاته وجعلنا وإياك من أهل جناته أننا ذكرنا سابقًا أن عقود المعاوضات مبناها على المشاحة ، وعقود التبرعات مبناها على المسامحة ، وفرعنا على ذلك فروعًا كثيرة وذكرنا منها أن الاستثناء لا بد من العلم به في عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة وأما عقود التبرعات فيصح الاستثناء فيها ولو كان مجهولًا ، ووعدنا أن نفرد لذلك قاعدة وهذا أوان الوفاء ولله الحمد والمنة فأقول: معنى هذه القاعدة: أن الإنسان يجوز له إذا باع عينًا أو منفعة أن يستثنى منفعتها ، لكن هذه الثنيا لا بد أن تكون معلومة إذا كان العقد عقد معاوضة ، أي لا بد أن تحدد بالأيام أو الشهور أن السنين ونحو ذلك فلا تصح إذا كانت مجهولة وذلك لأن عقود المعاوضات - وهي التي يكون فيها العوض من الطرفين - مبناها على المشاحة ، وأما إذا كان هذا العقد المبرم عقد تبرع فإنه تصح الثنيا فيه ولو كانت مجهولة كما سيأتي التمثيل عليه إن شاء الله تعالى ، لأن عقود التبرعات مبناها على المسامحة ، والذي يدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه كان يسير على جملٍ له أعيا فأراد أي يسيبه قال: فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا لي بالبركة وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قط ، فقال: (( بعنيه بوقية ) )، فقلت: لا ، فقال: (( بعنيه ! ) )فبعته بوقية واشترطت حملانه إلى أهلي ، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه فرجعت فأرسل في أثري وقال: (( أتراني ما كستك لآخذ جملك ! خذ جملك ودراهمك فهو لك ) )فهذا الحديث فيه جواز استثناء منفعة المبيع مدة معلومة والعقد هنا عقد معاوضة وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، مما يدل على الجواز لأنه قد تقرر في العقود أن إقراره - صلى الله عليه وسلم - حجة على الجواز ، والذي يؤكد أهمية معرفة مدة الاستثناء هو حديث جابرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت