الصفحة 127 من 169

فالجهالة في استثنائها لا مفسدة فيه ، ولأن من بذلها محسن وقد قال تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } فدل على ذلك النقل والعقل أيضًا ، فصحت بدلك القاعدة ولله الحمد والمنة ، وهذا شرحها من باب التنظير وهذا شرحها من باب التفريع فأقول:-

منها: باعه داره واستثنى سكناها مدة حياته ، فإن هذه الثنيا لا تصح ، فإن سألت ولماذا ؟ فأقول: لأن العقد هنا عقد بيع وهو من عقود المعاوضات ، والثنيا هنا مجهولة لأننا لا ندري عن مدة بقائه حيًا وقد تقرر أن الجهالة في الثنيا في المعاوضات لا تغتفر ، لكن إن قال: بعتك الدار واستثنيت سكناها شهرًا أو سنة ونحوها من الآجال المعلومة فهذه الثنيا صحيحة للعلم بها وانتفاء الجهالة عنها والله أعلم .

ومنها: باعه دابته أو سيارته واستثنى منفعتها إلى بلده فهذه الثنيا صحيحة إذا كانت المسافة معروفة عند المشتري وذلك للعلم بها ، لكن لو قال: بعتكها وأستثني حملانها إلى موضع ما ! فهذه الثنيا لا تصح ، لأنها مجهولة والعقد عقد معاوضة ، وعقود المعاوضات لا بد أن يكون فيها الاستثناء معلومًا والله أعلم .

ومنها: وهبه سلعة واستثنى الانتفاع بها إلى أن يموت أو حتى يمل منها فإن الهبة صحيحة والاستثناء صحيح أيضًا ولو مع هذه الجهالة ، لأن العقد عقد تبرع وعقود التبرعات تغتفر الجهالة في استثنائها والله أعلم .

ومنها: العتق ، فإنه يصح أن يعتق عبده ويستثني منافعه مدة حياته فهذه الثنيا وإن كانت مجهولة لأننا لا نعلم كم سيعيش السيد ? لكن العقد عقد تبرع وإحسان فالجهالة في ثنياه مغتفرة ، وعلى ذلك حديث سفينة المتقدم والله أعلم .

ومنها: إذا أعتقها وجعل عتقها صداقها ، فإنه يصح على القول الراجح ويدل عليه حديث صفية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتقها وجعل عتقها صداقها ، فصارت كالمستثنى منفعتها والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت