فهرس الكتاب
( المسألة الأولى ) : اعلم رحمك الله تعالى أن الحجر على المفلس وعلى الصغير والمجنون والسفيه نعمة من الله تعالى ، ومن رحمته بعباده وذلك أن من مقاصد الشريعة وضروراتها المعروفة حفظ المال ، والحجر من الأشياء التي يتحقق بها ذلك بوضوح ، وبيان ذلك أن فاقد الأهلية لا يملك العقل الذي به يحسن التصرف في المال فقد تذهب أموالهم سدى ، وتكون هباءً منثورًا هنا وهناك فيما لا يعود عليهم نفعه في الدين والدنيا ، ولا معرفة لهم في تصريف الأموال ، فلو أن الشريعة جعلت تصرفاتهم في أموالهم نافذة لكان ذلك عين الضرر والمفسدة ، ولكن من رحمة الله تعالى بهم أن منعهم من التصرف في هذه الأموال إلى أن تتحقق فيهم الأهلية ، وفي هذا الحجر حماية لهم ، فلا يخدعون ولا يغبنون ولا يكونون فريسة لأصحاب الأطماع ، بل أوكلت الشريعة التصرف في أموالهم لوليهم الرشيد ، فأباحت له التصرف في هذه الأموال بما يعود عليهم نفعه في الدين والدنيا ، وأما بالنسبة للحجر على المفلس: فلأنه لو لم يحجر عليه فقد يضيع ما بقي من ماله فيضع حق الغرماء أو قد يسدد بعضهم ويمنع بعضهم ، فيضيع حق البعض ، فإن الرجل إذا أفلس اختلطت عليه أموره وبدأ يتصرف غالبًا تصرفات فيها جور وظلم وحيف ، أو قد يكون بعض الغرماء أقوى نفوذًا وأكبر سلطانًا فينفرد بالأخذ وضعفاء الغرماء لا يقدرون على منازعته ، فلذلك حجرت الشريعة عليه ، وأوكلت الأمر في ذلك إلى الحاكم ، حتى يعطى كل ذي حق حقه ، فتعود الحقوق إلى أصحابها كلًا أو بعضًا بالتساوي والعدل ، وهذا هو عين المصلحة ، فحقيقة الحجر أنه حفظ الحقوق من الضياع ، وعلى هذا فمن كان في الحجر عليه مصلحة راجحة فإنه يحجر عليه والله أعلم .