فهرس الكتاب
أقول: لقد شرحت هذه القاعدة بالأدلة والفروع في"القول الرشيد في سرد فوائد التوحيد"ولكن لأهميتها ولتعلقها التعلق التام بموضوع بحثنا جعلتها قاعدة مفردة وذلك لأنها مهمة جدًا في الحكم على الأعيان ، وذلك لأننا ذكرنا في القاعدة السابقة أن الحكم لا ينطبق على الأفراد إلا بالشروط ومن الشروط العلم والمراد به قيام الحجة على المكلف التي يكفر من خالفها أو يبدع أو يفسق ونحوه ، وقد اختلف العلماء فيما تقوم به الحجة على قولين فمنهم من قال بأنها تقوم إلا بالبلوغ فقط ولا يشترط الفهم ، ومنهم من قال أنها لا تقوم بالبلوغ والفهم ؛ وقد حققنا أن الخلاف بينهم لفظي لا حقيقي وذلك أن الجميع اشترط لقيامها مطلق الفهم والجميع اتفقوا على أنه ليس من شروطها الفهم المطلق والذين يثبتونه إنما يريدون إثبات مطلق الفهم ، ولذلك فهذه القاعدة متفق على مدلولها بين العلماء رحمهم الله تعالى وبه تعلم أن الحجة على المكلف لا تقوم إلا بأمرين: الأول بلوغ النص ، والثاني فهمه مطلق الفهم ، ونعني بمطلق الفهم أي معرفته وإدراكه مطلق الإدراك وهذه القاعدة قد تظافرت الأدلة على صحتها ويكفيك في ذلك إجماع العلماء قاطبة على مقتضاها ، فإن الإجماع حجة يجب المصير إليه وتحرم مخالفته وخصوصًا الإجماع القطعي ، وقد ذكرنا في موضع آخر التفريق بين مطلق الشيء والشيء المطلق فمن الأدلة على صحتها غير الإجماع قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتى نَبْعَثَ رَسُولًا } وقوله تعالى: { وَأُوحِيَ إِليَّ هَذَا القُرْآن لأنْذِرَكُم بِهِ وَمنْ بَلغ } فهذا إخبار من الله تعالى عن عدله وأن لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل ، وأن الله جل وعلا أنزل كتابه للإنذار وإقامة الحجة على العباد ومن ذلك حديث ابن عمر في القوم الذين صلوا إلى بيت المقدس بعد نسخه وعذروا بذلك لعدم علمهم بالناسخ فإذا كان هذا حال القريب من مهبط الأدلة فكيف بمن كان بعيدًا