الصفحة 48 من 81

أقول: وهذا أمر لا بد منه ، ومراعاته في حكمك على الغير من أوجب الواجبات وأعظم المطلوبات المتحتمات ، فإن الجهل بهذه القرائن موجب للخطأ في الحكم ولا ريب ، وقد راعته الشريعة في أحكامها على الأعيان والطوائف تمام المراعاة فإنه قد يكون هذا القول أو هذا الفعل قد صاحبه من الأحوال والأشياء المانعة من انطباق حكمه على قائله أو فاعله فلا بد من مراعاة ذلك ، فالذي لا يراعي ذلك يعتبر مفرطا فلو أخطأ في حكمه فإننا نخشى عليه من العقوبة لوجود ذلك التفريط ويدل على ذلك حديث الذي قال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر في القرائن المصاحبة لهذا القول فتوصل إلى قوله:"أخطأ من شدة الفرح"فشدة الفرح قد غطت على عقله بحيث صدر منه ذلك القول عن غفلة من غير مقصد ، فصارت هذه القرينة مانعة من انطباق الحكم عليه ، فبالله عليك كيف الحكم عليه لو لم ننظر إلى هذه القرينة ؟ ولذلك فالضابط عندنا في ذلك أنه لا يؤآخذ الإنسان بما قاله عن غير قصد كسبق اللسان لما لا يريده أصلا ، وهذا واضح . ومن ذلك: حديث عمار لما شدد المشركون عليه العذاب لينال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنال منه ومعلوم حكم الوقيعة في رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - ولكن لما نظر - صلى الله عليه وسلم - إلى قرينة حاله وجده مكرها فقال له: ( كيف تجد قلبك قال مطمئنا بالإيمان ) فقال: ( إن عاد فعد ) فأنزل الله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِه إلا مَن أُكْرِهَ وَقَلْبُه مُطْمَئِنًا بِالإيمَانِ } وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وهذا يبين لك أهمية النظر في الحال التي قيل فيها ذلك القول أو فعل فيها ذلك الفعل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت