الصفحة 58 من 81

محب للحق وجاد في طلبه فما أحلى هذه الكلمات النيرة الموجبة لبقاء الألفة والمحبة والاجتماع ، والتي هي من المواطئ التي نغيظ بها عدونا إبليس لعنه الله لأننا بذلك نسد عليه بابا من أبوابه ألا وهو التحريش بيننا كما في الحديث عن جابر في صحيح مسلم وكما قال تعالى: { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا التي هِيَ أَحْسَن إِنَّ الشَّيْطَان يَنزغ بَيْنَهُم } .

ومن الأسباب أيضا: أن يكون النص قد بلغه ولكنه لم يتحقق من جهة ثبوته أي أن الجهة التي وصله النص فيها ليست بمعتمدة عنده أو فيها وجه من أوجه الضعف وهذه الحالة تختلف عن التي قبلها فإن الأولى لم يبلغه النص أصلا ، وأما هذه فقد بلغه النص لكن القدح الآن في جهة الناقل للنص وهذا كثير جدًا فإن بعض الأئمة قد يقبل راويا ويعد له بينما لا يقبله الآخر لوجود الجرح فيه ، فالأول يقول بمقتضى ما نقله ذلك الراوي لأنه من أهل الرواية المقبولة عنده ، والآخر لا يعمل بمقتضى ما نقله لأنه ليس من أهل الرواية عنده ،فالنص قد بلغ ولكن سبب الخلاف هو أن جهة ثبوته ضعيفة ، أي بلغه من جهة تحفها قرائن التضعيف ، من كونه لم يثق بناقله أو رأى أنه معارض لما هو أقوى منه ، ومثال ذلك أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات ، فأرسل إليها وكيله شعيرا نفقة لها مدة العدة ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه فارتفعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا نفقة لها ولا سكنى وذلك لأنه أبانها ، ومن المعلوم أن المبانة ليس لها نفقة ولا سكنى إلا إذا كانت من أولات الأحمال إلا أن هذه السنة خفيت على عمر - رضي الله عنه - فكان يقول: لها النفقة والسكنى ، ولما بلغه حديث فاطمة رده باحتمال أنها يمكن أن تكون وهمت أو نسيت فقال: أنترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت ، أي أن أمير المؤمنين لم يطمئن إلى هذا الدليل لأنه تطرق إلى قلبه في هذا جهة من جهات الضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت