فهرس الكتاب
ومن الأسباب أيضًا: أن يكون النص قد بلغه ولكنه فهم خلاف المراد، فالنص موجود لكن اختلف العلماء فيه لاختلافهم في فهم المراد، وهذا باب واسع فإن الأفهام تختلف ويمثل لذلك باختلاف العلماء في فهم قوله تعالى"أو لامستم النساء"فقال جماعة المراد به اللمس باليد وفرعوا على ذلك أن مس المرأة ناقض للوضوء بينما فهم آخرون أن المراد به الجماع والأول رأي ابن مسعود والثاني رأي ابن عباس - رضي الله عنهم - أجمعين، فسبب الخلاف هنا هو خلافهم في فهم المراد من الآية، ولسنا بصدد الترجيح بين الأقوال ولكن المراد بيان هذا السبب، فالذي خالفنا في آية أو حديث بعد بلوغه إليه نعتذر عنه بذلك ونقول: لعله فهم من النص شيئا حسب اجتهاده ونظره ، ولا نظن به أنه خالف عنادا للنص - حاشا وكلا - ولكن الأفهام تختلف والأنظار تتفاوت ومثال أخر: وهو أنه لما نزل قوله تعالى { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْط الأبيَض مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْر } عمد عدي بن حاتم إلى عقالين ووضعهما عند وساده وصار يأكل حتى تبينا إذا النهار قد طلع فذكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بالصواب ولم يأمره بالقضاء مما يدل على أنه معذور فالصحابي هنا فهم من النص فهما مخالفا للمراد فإذا كان ذلك متصورا في الصحابة فمن بعدهم من باب أولى لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أكمل أفهاما وأزكى عقولا وأعمق علما ومثال آخر: لما انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة الأحزاب جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام وأمره بالتوجه إلى بني قريظة فخرج - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وقال لهم: ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ) فاختلف الصحابة في فهم المراد ، فمنهم من صلى العصر في الطريق لما حضر وقتها ومنهم من أخرها عن وقتها ولم يصلها إلا في بني قريظة فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فلم يعنف على أحد من الطائفتين ، فالأولون