فهرس الكتاب
فهموا الحث على الإسراع فقط والآخرون فهموا الأمر على ظاهره وأنه لا توقع صلاة العصر إلا في بني قريظة ، فسبب الخلاف هو الاختلاف في فهم المراد ولم يذكر عنهم أن بعضهم هجر بعضا ولا تراشقوا بالسباب حاشاهم عن ذلك بل هم إخوة متوافقون متآلفون متحابون متوادون يعذر بعضهم بعضا فيما يسوغ فيه الخلاف كهذه القضية وغيرها والله أعلم.
ومن الأسباب أيضا:أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ ، فيكون الحديث صحيحا ومفهوما الفهم الصحيح لكنه منسوخ وهذا المجتهد لا يعلم بالناسخ فيعمل بالمنسوخ وذلك لعدم علمه بالناسخ فحينئذٍ له العذر لأن الأصل عدم النسخ حتى يرد الناسخ من طريق صحيح ومثال ذلك ما وقع في عهده عليه الصلاة والسلام من أنه لما حولت القبلة إلى البيت الحرام كان بعض المساجد المجاورة للمدينة كمسجد قباء وغيره يصلون لبيت المقدس وهذا خلاف في الوجهة وسببه عدم العلم بالناسخ فلما علموا به توجهوا وهم في الصلاة إلى البيت الله الحرام ، فإذا كان ذلك حال المساجد المجاورة للمدينة فما بالك بحال أهل الأماكن البعيدة كأهل مكة واليمن ومن في الحبشة لا شك أن الخبر لم يصلهم إلا بعد مدة من الزمن ، وكانوا يصلون في هذه المدة إلى بيت المقدس وسبب ذلك عدم العلم بالناسخ فهم معذورون في ذلك لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها والشرائع لا تلزم إلا بالعلم . ومثال آخر: وهو أن بعض الصحابة لم يزل يفتي بأن من جامع فأكسل أي لم ينزل لا يجب عليه إلا الوضوء ، ولم يعلم بأن ذلك كان رخصة في أول الإسلام وأنه نسخ بقوله ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل ) وبقوله ( إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ) وهما في الصحيح ، فسبب الخلاف هنا هو عدم العلم بالناسخ ، ومثال آخر: وهو أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يرى التطبيق في الركوع ، وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالأمر بوضع الأكف