فهرس الكتاب
أقول: إن هذه وصية لنفسي الضعيفة ولمن شاء الله من أخواني أنه إذا نقل إليك أحد عن أحد شيئا يريد منك أن تحكم على هذا المنقول فاعلم أنه شيطان يريد أن يوقعك في عرض أخيك ويريد إيغار الصدور ووحشة النفوس وفساد ذات البين فاحذر كل الحذر منه ، وما أكثرهم لا كثرهم الله فإنهم النمامون القتاتون أصحاب العضة ، هم السحرة ولكن بلا عقد ، بل عليك زجر الفاعل والتغليظ عليه وردعه الردع المناسب لحاله ولا يصدر منك أي قبول لكلامه هذا فضلا عن أن تبني عليها حكمًا على أخيك ، فإن هذه العجلة قد أوقعت كثيرا من الأحبة في أمور ندموا عليها وتمنوا أنهم لم يفوهوا بها ، وصدق الله العظيم إذا يقول { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ولا يقع في ذلك في الغالب إلا حدثاء الأسنان في العلم ، أما الراسخون فيه ومن أخذ فيه بحظ وافر فإنهم كالجبال الرواسي الذين لا تضلهم الفتن ولا تلتبس عليهم الأمور ، فلا يجوز لك أن تبني حكما على أخيك بمجرد نقل إليك أو بمقال من جريدة جاءت قصاصته إليك ، أو بشريط سمعته أو بكلمة محتملة ، فإن الحكم على الغير عظيم خطره فلا بد من هيبته والخوف منه ولا يقدم عليه إلا بعد استفراغ الوسع في التثبت والتبين والترفق ومعرفة الحقيقة المعرفة التامة ، وكم وكم من النقول التي لا أساس لها ولا خطام ولا زمام لها ، وفي الحقيقة أن من بنى حكما استنادا على ذلك فإنه يكون بذلك قد بنى حكمه هذا على غير أساس ولا هدى من الله ولا برهان ساطع أو دليل واضح بل على الهوى والتخرص والعجلة والطيش ومن الذي يرضى أن يكون بهذه المرتبة ، التي لا ترضاها البهيمة فضلا عن بني آدم فضلا عن المشائخ والعلماء فلا نريد أن نتمشى مع شهوة أهل الإشاعات والأراجيف بل لابد من قتل هذه الشهوة في قلوبهم بتحذيرهم ومناصحتهم أو ردعهم عن مثل ذلك بتغليط الكلام لهم وتأديبهم أو تعزيرهم التعزير