وسلم- قال: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) (3) . قال ابن تيميه: (جعل الله عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض, وجعلهم إخوة, وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين وأمرهم سبحانه بالإئتلاف و نهاهم عن الإفتراق والاختلاف, فكيف يجوز مع هذه لأمة محمد أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادى طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى) (4) .
ومن تأمل أحكام الشرع وجد مظاهر كثيرة تؤكد على أهمية الاتفاق والاجتماع، وتقضي على الفرقة والشتات فجمعت الناس في أنساكهم وصيامهم وصلاتهم أن يشرعوا فيها في وقت واحد ويختموها في وقت واحد وشرع الاصطفاف للصلاة والتواص، ونهى عن تفويت الجماعة في الصلوات إلى مظاهر من تأملها وتشبع بها انقادت تطبيقاته لمسائل الاجتهاد على هذا النحو وقد اختار الشافعي -رحمه الله- أن من فاتته الصلاة في مسجد له إمام راتب أن يصلي منفردًا أو لا يصلي في المسجد جماعة ثانية لما فيها من تفرق الكلمة والإختلاف (5) .
قال الشيخ أحمد شاكر معلقًا على ذلك: والذي ذهب إليه الشافعي من المعنى في هذا الباب صحيح جليل ينبئ عن نظر ثاقب وفهم دقيق، وعقل درّاك لروح الإسلام ومقاصده، وأوّل مقصد للإسلام وأجلّه وأخطره: توحيد كلمة المسلمين وجمع قلوبهم على غاية واحدة: هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية ... وهذا الشيء لايدركه إلا من أنار الله بصيرته للفقه في الدين والغوص على درره والسمو إلى مداركه) (6) .
الدعوة للاتفاق ليست إلغاء للخلاف:
فالافتراق وصف مذموم في الشرع قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء" [الأنعام:59] وقد نهى الله تعالى عنه نهيًا مطلقًا كما قال:"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا" [آل عمران:103] وقال:"أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [الشورى:13] أما الاختلاف فإنه قد يكون رحمة، وأهله معذورون: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شرٍ عظيم من خفاء الحكم ولهذا صنف رجل كتابًا سماه: كتاب الإختلاف فقال أحمد: سَمّه كتاب السَّعَة، وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه، لما في ظهوره من الشدة عليه) (7) . وقد وقع الخلاف بين السابقين من أفضل قرون هذه الأمة من الصحابة والتابعين ولم يوجب افتراقًا، ولذا لم يكن مذمومًا ونقل الشاطبي جملة مما اختلف فيه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما هو من محالّ الاجتهاد ثم قال: (وغير ذلك مما اختلفوا فيه، وكانوا مع ذلك أهل مودة وتناصح وأخوه الإسلام فيما بينهم قائمة فلما حدثت الأهواء