أطلقت ساقيَّ للريح ورحت أعدو كغزال مذعور، انهمر الرصاص علي من كل حدب وصوب ومزق جسدي، استدرت نحو المفوض حيث كان يخزرني وشتمته بكل لغات الأرض"لا أدري من أين استعرت مفردات السباب"، عدوت والدماء تسيل مني، رأيت نهرًا من الدم يفصل ما بيني وبين الحراس يخوضون فيه ويغرفون منه، قطعت المسافة التي تبدو أنها لا تنتهي أبدًا بأعشار الثانية، وجدت نفسي في المدينة"وقد اندملت جراحي تمامًا". أول شخص واجهته كان يحمل وجه المفوض فهربت منه، وصلت إحدى الحانات ففوجئت بأن صاحب الحانة هو المفوض ذاته والنادل يحمل الملامح نفسها، تواريت عنهما وخرجت أتطلع إلى واجهات المحلات، وفي كل منها كنت أرى المفوض وهو يخزرني بشزر، ابتعدت واندسست بين المارة بيد أنهم كانوا مقنعين بالقناع نفسه، وجوه كالحة مجدورة، نكست رأسي ومشيت مخافة أن يكتشفوني، فررت منهم مخذولًا فزعًا حتى وجدت نفسي في صحراء قاحلة بين كثبان الرمل وهناك أيضًا وجدت المفوض، قلت إنه قدري ولا بد من مواجهته.. تقدمت منه فهرب مني، لاحقته وأمسكت به، ركع على قدمي وراح يستنجد بي ويتخضع لي، امتدت كفاي إلى عنقه، انتفخ الرمل كما بالون وخرجت جمجمة تصرخ بغضب"اخنقه"، طوقت عنقه بكفي، انتفخت بقعة رملية أخرى وخرج هيكل عظمي يصرخ بغضب"اقتله"، والمفوض يتوسل خانعًا"ارحمني"وأنا أضغط على عنقه والبالونات الرملية تنتفخ وتتفجر وتفقس أمواتًا يصرخون بي: اخنقه، اقتله، انتقم لنا، وامتلأت الصحراء بهم وأنا أنظر إليهم بكبرياء البطل المنقذ، أطبق على عنق المفوض بقوة، أضغط وأضغط لكن يديَّ على حين غرة ما كانتا تطاوعانني، كانتا مخدرتين مشلولتين وإذا بهما تهترئان مثل خرقة بالية.
إعدام
.. رأى الناس محتشدين في الساحة العامة فاندس بينهم رغم مقته الشديد للزحام، أرهف سمعه ليلتقط بضع كلمات توضح له سبب تجمعهم، بيد أنهم كانوا واجمين صامتين وعيونهم زائغة وإن تحدثوا... فهمسًا.
سأل الرجل الذي يقف بجواره:
-ما الذي يجري هنا؟
زم الرجل شفتيه وابتعد عنه.
جال بعينيه في كل الاتجاهات فبانت له وسط الساحة سبعة أوتاد مثبتة على الأرض بشكل متواز ومستقيم، وشاهد نفرًا من المسلحين يقتادون سبعة رجال ويشدونهم إلى الأوتاد، أقعى المسلحون وانهمر الرصاص من بنادقهم ومزق أجساد الرجال السبعة، تفرق الحشد كل إلى سبيله، أخذ يجرجر خطاه ويجتر المشهد المروع في ذاكرته...