فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 29

أثار إعلان فلم سينمائي انتباهه:"الحب رميًا بالرصاص".. حث الخطى إلى دار العرض، اقتنى بطاقة، دخل الصالة وراح يتابع الممثلة على الشاسة وهي تهز ردفيها الثقيلين بغنج، وثمة شاب وسيم يغازلها ويتأمل مفاتنها بعينين شرهتين، وهي تستجيب على مهل، وتماريه بدلال... شعر بالاختناق فترك الفيلم وخرج.

رجع إلى الساحة العامة، الأوتاد ما زالت قائمة في أماكنها وبقع الدم متخثرة طرية، استند إلى أحد الأوتاد، خيل إليه أن أحدًا ما أوثق معصميه من الخلف وأن الناس متجمهرون ينظرون إليه بعيون زائغة، وأن بضعة مسلحين أخذوا يطلقون عليه الرصاص والدم يتدفق منه ويختلط بدماء الآخرين...

فخر على الأرض صريعًا.

الخروف

.. منذ أيام وأنا ألاحظ الصوف ينبت على جلدي، واليوم أكتشف وجود قرنين في أعلى رأسي. وارتضيت بالأمر الواقع على مضض.

ارتديت ثيابي واعتمرت قبعة أخفيت تحتها قرنيَّ وخرجت إلى الشارع، حين رأيت جاري، بادرته بالتحية، وبدلًا من"صباح الخير"رحت أثغو في وجهه: باع...

أحسست بالخجل والارتباك وهرولت بأقصى سرعة إلى دائرتي وولجت إلى غرفتي وجلست إلى مكتبي، دخل الفراش وسرعان ما خرج، وبعد برهة من الزمن عاد بصحبة المدير الذي راح يقهقه خلاف عادته:

-ما هذا؟! خروف في مكان السيد وديع!

أردت أن أقول"أنا وديع ولست بخروف".. لكنني خفت أن أثغو ثانية ويزداد الطين بلة.

قال المدير آمرًا الفراش:

-هيا احمله إلى البيت.

حملني الفراش إلى بيت المدير، فاستبشرت زوجته بي، وأخذ ابنه الصغير يلاعبني ويداعبني.. وفي المساء أحضر المدير جزارًا خشنًا وبيده سكين حادة وهو يربت على ظهري:

-يا له من خروف سمين!

وفي اللحظة التي قررت أن أصرخ بأني لست خروفًا... راحت مدية الجزار تحز رقبتي.

رجل يمسك بأيامه

فاجأه الوجه الهرم في المرآة، وجهه هو لم ينتبه لذلك قبل الآن في زحمة مشاغله اليومية.

تأمل التجاعيد والغضون، خالها أخاديد في الروح، تأمل شعره الرمادي كأنه بقايا حريق، عينيه الغائرتين، أسنانه المنخورة، فكه المتدلي، جسده المتخشب، وذلك الاحديداب في الظهر.

عدَّ سنواته وأيامه المتبقية من رصيد عمره الآفل وجدها نزِرة، نزِرة. ها هو يشعر للمرة الأولى في حياته بأنه قد خسر كل شيء، ولم يتبق له غير كومة من حطام، حطام روحه كومة من رماد، رماد أيامه وأنه ليس أكثر من رجل هرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت