فهرس الكتاب
خلال أسبوعين استطعت أن ألغم جميع التماثيل وحددت الساعة لتفجيرها، وحين حانت الساعة ضغطت على الرز الإلكتروني الذي يتحكم بالألغام المزروعة، دوى انفجار كبير.. شعرت بالأسى والخذلان لأن الانفجار حدث في بيتنا الذي تهاوى حجرًا فوق حجر.. أما التماثيل فقد رأيتها تقبل نحوي وكل واحد منهم يحمل بيده سوطًا وراحوا يجلدونني دون رحمة.. دون رحمة.
محنة التماثيل
في أيما مكان.. في الشوارع، أو في الأزقة، أو في الساحات بإمكانك أن تشاهد فرق إبادة التماثيل التي تعمل تحت إمرتي حاملة معاولها وفؤوسها وهي تحطم التماثيل اللعينة وتمزق أوصالها شر تمزيق، لتسيل منها الدم الأسود الفاحم كما القار ولك أن تتفرج على بعض التماثيل تفر مذعورة، تهرول وتلهث لتختبئ خلف الأشجار أو البنايات المهجورة، أو في البالوعات خوفًا من بطش فرق الإبادة.
لكم أشعر بالزهو وأنا أشرف على تحطيم التماثيل المتعجرفة وإبادتها، اليوم وبعد أن انتهيت من آخر تمثال في المدينة عدت مساءً إلى البيت منشرحًا، حيث أتممت مهمتي على أكمل وجه.
وفي البيت فوجئت بابني الصغير وهو يخبئ تمثالًا صغيرًا في دولابه.. صرخت به:
-ما هذا؟
قال بتوسل: تمثال.
-شيء جميل. أنا أطارد التماثيل وأحطمها وأنت تخبئ واحدًا في بيتي.
-لكنه صغير يا أبي.. صغير جدًا ولا ذنب له.
-كيف لا ذنب له؟ التماثيل سبب بلوانا.. التماثيل.. قاطعني
-ليس هذا.. إنه لم يفعل شيئًا.. إنه أليف وودود.. انظر إليه يا أبي.. نظرت إليه.. كان تمثالًا صغيرًا كسيرًا تترقرق الدموع الزئبقية في عينيه الزجاجيتين المبحلقتين وهو يرتعد.
تحت إلحاح ابني لحماية هذا التمثال الصغير المسكين قررت الإبقاء عليه وأنا في حيرة من أمري ما بين الواجب والضمير.
في ساعة متأخرة من الليل حوطت فرق إبادة التماثيل -والتي تعمل تحت أمرتي -بيتي وألقت القبض عليّ وعلى التمثال، واتهمتني بالخيانة العظمى وأصدرت قرارًا بتحنيطي ووضعي فوق منصة في الساحة العامة لأكون عبرة لمن لم يعتبر.
مجرد تمثال.. مجرد تمثال
ها أنذا وحيد، حزين، مهمل، مستوحش، يكسوني الغبار والدخان والذروق.
هاهم رعيتي يمرون بي ولا يأبهون.. لا أحد يتوقف هنيهة، لا أحد يعير لي أدنى اهتمام، حتى الأطفال باتوا يسخرون من وقفتي الأزلية.
أنا لست مجرد تمثال برونزي يزين ساحة المدينة.. أنا رمز شموخهم وكرامتهم وكبريائهم. لكن لا يتذكر أمجادي سواي.