فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 29

هاهو جالس الآن على المقعد المقابل لمقعدي في الحافلة، رجل عجوز محدودب الظهر، بشعر أبيض وصلعة عريضة تتوسط رأسه، يضع على عينيه نظارة طبية سميكة العدسات، ويتوكأ على عكازة بيده، يده التي كانت تمسك بالسوط وتحمل الهراوة في سالف السنين، أعرفه من خلال عينيه الجاحظتين. الخنزير، إنه الخنزير الذي بحثت عنه طوال سنين عجاف لأشفي غليلي منه، لم أكن أتصور أبدًا أن ألقاه وهو على هذه الحال، هرمًا، بائسًا، تملأ التجاعيد وجهه، وبالكاد يوازن جسمه المتهدل، ويده ترتعش على العكازة. ما كانت يده تخطئ أو تزل أو ترحم وهي تهوي بالسوط أو بالهراوة أو بالسلسلة الحديدية على أنحاء جسمي، بغضب وحقد وتشفٍ، كنت أمقته، أحتقره/ وأنعته بالخنزير وهو يصول ويجول في غرفة التعذيب، بقامته المديدة وعضلاته المفتولة، يتوعدني دومًا بالويل والثبور، تارة يكوي جسدي، وتارة يجلدني، وتارة يقلع أظافري متلذذًا بألمي وصراخي، وما زالت أثار أعقاب السجائر التي أطفأها على جسدي شاخصة، وخطوط السوط الذي ألهب به ظهري مرات ومرات منقوشة كالوشم، ومازلت أشم رائحة الشواء، شواء لحمي يزكم أنفي ويصيبني بالدوار، يومئذ قلت له وأنا أغلي غضبًا منهك القوى (سوف أنال منك، إن بقيت حيًا، وأجعلك تدفع الثمن غاليًا أيها الخنزير) ، ها هو الخنزير الذي غدا عجوزًا هرمًا في تعتعة العمر يجلس قبالتي دون أن يعرفني أو ينتبه لي، أتأمله عن كثب، أتملى في ملامحه الواهنة وسحنته البشعة وعينيه الجاحظتين اللتين كان يخزرني بهما آنذاك ويتطاير منهما الشرر، كم كان قاسيًا وشرسًا وعنيفًا، وكم هو الآن مهدم يثير العطف والشفقة، وهو يستعين بعكازته كي يترجل من الحافلة، قمت وأسندته بكتفي وأنزلته بهدوء ونزلت معه، مع الخنزير الذي وعدته وهددته بالاقتصاص والانتقام منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، أصفعه، أجلده، أسحله، أهينه، أذله، كما كان يفعل معي، وها هو الآن تحت رحمتي وأنا أقبض على ذراعه الواهية، وهو يكبل لي آيات الشكر والامتنان، وبعد هنيهة من الوقت قال لي:

-لا يبدو صوتك غريبًا عليَّ؟

قلت له:

-أما أنا فصوتك وصورتك، مدبوغتان في ذاكرتي منذ زمن طويل.

قال:

-من أنت يا بني؟ فذاكرتي متعبة وممسوحة.

قلت له:

-كنت أتمنى أن أراك وأنت أحسن حالًا وأكثر حيوية كي أقتص منك، أقصد

من الخنزير.

تركته وذهبت لسبيلي، قرفص على الأرض وراح يجهش في البكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت