فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 29

ولما كان عنيدًا جدًا راح يصطاد غيمة إثر أخرى مؤملًا نفسه بلقائها في يوم ما. غيوم بيض، غيوم سود، غيوم حمر، غيوم زرق، غيوم رمادية، غيوم أليفة يصطادها بسلكه النحاسي الرفيع ويعبئها في أوان زجاجية ويكدسها في غرفته التي امتلأت بملايين الغيوم المعلبة. الغيوم صارت تعرفه تخشاه وتتحاشاه وتهرب بعيدًا عنه كما العصافير، حتى خلت السماء من الغيوم وعم الجفاف وانتشرت المجاعة في الكثير من الدويلات.

بات صياد الغيوم نذير شؤم بعد أن أذهل العلم الحديث والتكنلوجيا وهو يرفض التعاقد أو التفاوض مع كبرى الشركات العالمية لاستغلال أو شراء الغيمة الواحدة بمليون دينار.

كان حائرًا مرتبكًا وهو الرجل الأكثر شهرة في العالم، لا يهمه شيء سوى أن يلقى امرأته ليهديها كل هاتيك الغيمات، إلا أن جهوده في العثور عليها راحت سدى وشعر بعد كل ذلك الزهو بالخيبة والمرارة.

في ساعة يأس أو ساعة نحس أو ساعة ثمالة لا أحد يدري، راح يحطم كل تلك الزجاجات الصماء لتخرج الغيوم من قمقمها ترعد وتبرق وتفيض على الدنيا مطرًا غزيرًا غزيرًا.

ومات صياد الغيوم ميتة بشعة في غرفته إثر الصواعق التي مزقته إربًا إربًا.

في اليوم التالي من الحادث الجلل الذي هز العالم، شوهدت امرأة فاتنة تمشي على عكازين تدخل غرفة صياد الغيوم وتضع إكليلًا من الزهور على الغيمة الوحيدة المتبقية، الغيمة البيضاء.

قيامة الدم

استيقظ الشيخ العجوز مع آذان الفجر، بسمل وشمّر عن ساعديه ليتوضأ، فتح صنوبر الماء فتدفق سائلٌ أحمر قانٍ مما أصابه بالدهشة والذهول فحوقل وتعوذ من الشيطان، إلا أن السائل الأحمر ظل يجري مصحوبًا بأنين خافت، فتساءل وأطرافه ترتعد ما هذا الدم يا إلهي؟ وحين أرادت المرأة الحائض أن تغتسل اختلط دم الصنبور بدم حيضها. فصرحت فزعة، ما كل هذا الدم؟ والطفل الظمآن وضع فمه على الصنبور ليروي عطشه فغب الدم وتقيأه وأخذ يعدو ويصيح دم... دم! والعابرون من فوق الجسر شاهدوا الدم يجري متهاديًا في نهر المدينة، وثمة رؤوس وأيدٍ وأرجل طافية على سطحه، وسمعوا النهر يئن ويتأوه فعبروا مسرعين، والناس كل الناس لاحظوا الغيوم الحمر ترعد بصرخات بشرية وتهطل مدرارًا دمًا قانيًا ممزوجًا بنشيج مكتوم غاضب!

واجتمعت الدماء، دماء الصنابر والأنهار والأمطار وجرت في شوارع وأزقة المدينة وهي تفور وتزبد.

البلدية راحت تسحب الدماء وترميها خارج المدينة لكنها كانت تعود مرة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت