فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 29

رفعت جسمه عن السرير وأسندته إلى جسمي، كان وضعه يوحي بما يدعيه، وما إن وطأت قدماه الأرض سقط وارتطم بها، صرخت فزعًا، تجمع الجيران وحملوه إلى فراشه، واستدعوا الطبيب وفحصه وأكد أنه لا يشكو من مرض عضوي، ثم عرضناه على طبيب نفسي لكن دون جدوى.

في اليوم التالي كنت آمل أن تتحسن حالته وينجو من الكابوس الذي جثم على صدره، لكنه أفاق كالمجنون وهو يلوك لسانه في فمه والكلمات لا تكاد تخرج من بين شفتيه إلا على شكل غمغمة.

أجهشت بالبكاء وكدت أصاب بالجنون، وزوجي يخور ولعابه يسيل مع الزبد ويشير بكلتا يديه المبكلتين بالقيود الوهمية إلى فيه، لم أفهم شيئًا، أحضرت ورقة وقلمًا فكتب بخط مرتعش مرتبك:

-لقد خاطوا فمي يا فاطمة.

بكيت وبكيت وهو ينظر إلي كالأبله ويغمغم.

في اليوم الثالث لم يقم بأية حركة، ولم يتفوه بشيء، كان جسده باردًا هامدًا لا حياة فيه، وكاد قلبي يطفر هلعًا من صدري حين رأيت السلاسل تطوق زوجي من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.

حاولت أن أهرب إلى خارج البيت، فوجئت بالسلاسل تقيدني، ولما حاولت أن أصرخ وجدت فمي مخيطًا.

صياد الغيوم

وأخيرًا استطاع أن يتوصل إلى مأربه بعد عناء دام عشرين عامًا اتهم خلالها بالجنون لإصراره العجيب على هوايته الغريبة. حلم جميل لحالم كبير صار ما بين ليلة وضحاها مثار إعجاب العالم وحديث الإذاعات والصحف ووكالات الأنباء، وراح الناس يطلقون عليه بالإجماع تسمية"صياد الغيوم"، هكذا ببساطة تامة كان يمد سلكه النحاسي الطويل والطويل جدًا نحو أية غيمة لترقد بعد ثوان معدودات في إناء زجاجي صغير أعده لهذا الغرض.

ما كان أحد يعرف أن صياد الغيوم هذا ليس سوى عاشق مغمور يحلم منذ زمن بعيد أن يمسك بغيمة بيضاء ويضعها بين يدي حبيبته، التي طالما سخرت من خيالاته وجنونه وهي تضحك وتكركر"أنت شاعر يا حبيبي".

الغيمة الأولى كانت بيضاء كما كان يتمنى لذا أصر على أن يهديها لها ليداري غروره وينتقم لكبريائه الجريح، بيد أن حلم حياته الذي أفنى نصف عمره من أجله قد تبدد، إذ أنه لم يجد لها أثرًا وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت