فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 29

في حلمي الأخير، في حلمي الكبير، ذلك الحلم الزاهي الجميل عدت منه بأكوام من الدنانير، عشرات آلاف، مئات آلاف، بل ملايين وملايين من الأوراق الصقيلة برائحتها الأخاذة، دنانير، دنانير مرزومة كانت تملأ سريري، عبأتها زوجتي في (الدولاب) وقفلته ثم خبأت المفتاح بين نهديها وأعطتني خمس رزم، خذ واشتر لنا لحمًا ورزًا وسكرًا وما تشتهي النفس، ابتع لنا تلفازًا ملونًا وأحذية وثيابًا جديدة للأطفال، هات لك شرابًا وتبغًا وفستقًا هات كل شيء يا رجل الأحلام البهيجة يا من أحلامه تدر دنانير.

ذهبت إلى السوق ورحت أنتقي عشرات البضائع المختلفة، وما إن أخرجت نقودي مزهوًا وبدأت بعملية العد- على طريقة التجار- متبخترًا، حتى وجدت دنانيري دنانير حلمي تتحول إلى فراشات وتحلق بعيدًا عني، طردني العطارون والبقالون والجزارون شاتمين إياي، تبًا لك أيها الساحر اللعين.

رجعت إلى البيت مستاءً مهانًا وفتحت (الدولاب) على الفور، وإذا بأسراب هائلة من الفراشات الملونة بأجنحتها الشفافة تنطلق صوب سماء الحدائق، حدائق الأحلام حيث ما زلت أحلم أبدًا أبدًا.

القيد

-فاطمة.. يا فاطمة...

صاح زوجي من غرفة النوم وكنت في المطبخ أهيئ له فطوره.. تشاغلت عنه فصاح ثانية:

-فاطمة، أين أنت؟

هرعت إليه مسرعة لألبي طلبه فوجدته ممددًا ما زال في الفراش، وهو يرمقني بنظرات غريبة غاضبة، حييته بمرح وحنو:

-صباح الخير يا...

قاطعني بنفاد صبر:

-من الذي كبلني يا فاطمة؟

ظننته يمزح فأجبته مازحة:

-الحب يا حبيبي، الحب.

صرخ بوجهي مهتاجًا:

-اللعنة عليك وعلى الحب، هيا فكي وثاقي وأبعدي عني هذه السلاسل.

استغربت طريقة كلامه، وعصبيته غير المعهودة، صحيح أنه كئيب أكثر الأحيان ونادرًا ما يبتسم ولكنه ليس فظًا إلى هذا الحد.

-قلت لك أبعدي عني هذه السلاسل.

-أي سلاسل يا مصطفى؟ ما الذي جرى لك لتحدثني بهذه العنجهية؟

هدأ بعض الشيء وراح يتوسلني هذه المرة:

-أرجوك يا فاطمة فكي هذه السلاسل الحديدية إنها ترعبني.

كان يتكلم وكأنه مقيد فعلًا وكانت لهجته جادة.

-ما هذا المزاح الثقيل يا مصطفى، أين هي السلاسل؟

-ألا ترينها؟

-أنا لا أرى شيئًا.

-وهذه السلاسل الحديدية التي تقيد رجلي ومعصمي ألا ترينها؟

-كلا.

-لكنها تقيدني بإحكام صدقيني يا فاطمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت