فهرس الكتاب
من المعوقات التي صاحبت رحلة العقيلات طول الغياب عن الأهل والوطن الأم بما يترك من سلبيات على الأسرة، فليس الغياب عن الأهل زمن الرحلة التي تدوم بضعة أشهر فحسب ولكن الاغتراب لمدة أطول من ذلك وتعد بالسنوات، فهناك مئات بل آلاف الحكايات التي تتحدث عن اغتراب العقيلات منها على سبيل المثال لا الحصر ذلك العقيلي الذي سافر وابنه حمل في بطن أمه ولم يعد هذا العقيلي إلا ويستقبله ابنه وقد نبت الشعر في وجهه وعارضيه أي مدة تقرب من عقدين من الزمن ومنها ذلك العقيلي الذي ترك زوجته وهي حامل وجاءه ابنه في الشام ومعه رعية من الإبل قد جلبها حيث أصبح هذا الإبن عقيلي مثل أبيه ولم يره أبوه إلا بعد أن قدم إليه، ومنهم ذلك العقيلي الذي غاب واغترب عن أهله حوالي ثلاثين سنة ولما عاد بما حصل عليه من مال من النقود الذهبية والفضية وقرب بلده سطا عليه مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق وسلبوه ما معه من نقود، فعرج على مورد ماء بأحد أطراف بلدته ليملأ قربته بالماء بعد أن عزم على العودة من حيث أتى دون أن يواجه أهله، فصادف رجلًا من أهل بلدته يعرفه ولما سأله عن خبره روى له ما جرى عليه وما صمم على فعله من العودة إلى الشام ولما قال له: ألا تمر ببلدك لتسلم على أهلك وأمك، ما زاد هذا العقيلي على أن قال:"غيرها لطلبه"أي غير هذه المرة فذهب قوله مثلًا سائرًا وعاد إلى الاغتراب مرة أخرى لأنه لا يريد أن يأتي إلى أهله بعد كل هذه الغيبة وهو صفر اليدين، وغير ذلك من القصص التي تملأ مئات الصفحات، وعبء الاغتراب بالنسبة للعقيلات يقع على عاتق المرأة بالدرجة الأولى خاصة إذا كانت هذه المرأة ربة أطفال حيث يقع عل كاهلها مسئولية كبيرة هي مسئولية تربيتهم وهي من أشق المسئوليات في غياب الأب تمامًا بالإضافة إلى مسئولية معيشتهم في وقت تصعب فيه لقمة العيش ويشق تحصيلها على الرجال الذين يكدحون بسواعدهم وينزفون من عرقهم في سبيل الحصول عليها فضلًا عن المرأة التي لا حول لها ولا طول في تحصيلها اللهم إلا ما تحصل عليه مما يرسله إليها زوجها بين الحين والآخر فتبدأ باقتصاده على نفسها وأولادها إلى حين يأتيها مدد آخر بعد فترة من الزمن، فكانت المرأة والحالة هذه تنزل إلى ميدان العمل بما يناسب قوتها وما تتقنه من مهارات مهنية كأن تساعد زوجات الفلاحين في أعمال المزرعة من تهيئة الأعلاف ودقها للسواني أو عملية الحصاد وتنقية الحب أو قطف الثمار وجني التمور وغير ذلك