فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 208

الإيثار على النفس أمر اشتهر به العرب منذ زمن بعيد وما قصة كعب بن أمامة الأيادي الذي أعطى حصته من الماء لرفيقه النمري ومات هو عطشًا هذه القصة ليست غائبة عن الأذهان، وغيرها آلاف القصص المشابهة لها ولكنها للأسف الشديد لم تدون، والعقيلات الذين يجوبون تلك الفيافي الشاسعة لابد وأنهم قد واجهوا الكثير من المواقف المشابهة لقصة كعب ورفيقه النمري فقد كانوا يدفنون قرب الماء تحت الكثبان الرملية ويضعون حولها علامات يعرفونها من باب الاحتياط لمثل تلك المواقف التي تصبح قطرة الماء لا تقدر بثمن ويكون شرب الماء في مثل هذه الحالة بالحصة وبمقدار معين يضعون حصاة في الإناء ويصبون الماء حتى تنغمر هذه الحصاة ويشرب كل واحد منهم هذا المقدار بالسوية، وهنا تبرز سجية الإيثار على النفس حين يمنح الواحد منهم حصته لرفيقه إذا كان شيخًا كبيرًا أو له وضع خاص وينطبق هذا الأمر على الطعام لكن الطعام أقل خطرًا من الماء سيما في تلك المهالك والمظامئ ويتصف العقيلات بهذه الصفة الإيثار على النفس من شيخ القافلة أو رئيسها إلى أدنى واحد في تنظيمها يقول أحد الرواد الأوربيين الذين رافقوا العقيلات في أسفارهم: الفقراء من العقيلات قانعون والأثرياء غير مبذرين فلا يظهر الثراء في لباسهم ولا في أية ناحية من نواحي حياتهم يسير المرافقون منهم للإبل حفاة دون سراويل وصدورهم عارية يقطعون الطريق كله مشيًا على الأقدام ويمد شيخ القافلة عقيلاته طول فترة الرحلة. يتحف الشيخ هذه المجموعة بـ"البلاو"وهو الأرز المطبوخ مع السمن مرة في اليوم كما يمدهم الشيخ بكسر الخبز الجاف (يقصد الكليجا) والبصل بجعلونه في جيوب ثيابهم يأكلون منه خلال مسيرتهم الشاقة الطويلة كلما عنَّ لهم ذلك فالرفاهية أمر غريب على الصحراء وساكنيها الذين لا يدينون برزقهم إلا لخالقهم وليس هناك فرق كبير في السلوك والمظهر بين شيخ القافلة وأدنى الجمالين المرافقين لهم وكلهم فخور بهويته العربية، هذا الكلام من رجل أوربي يدل على بساطة حياة العقيلات فلا شيخ القافلة يتميز عن غيره من رجالها بشيء ظاهر فكلهم متساوون مظهريًا في عين ذلك الأوربي وما خفي عنه أعظم من درجة الإيثار، كل واحد منهم قد يؤثر رفاقه على نفسه في الأكل والشرب والمنفعة، ومن هذا المنطلق تتساوى النفوس ومن قصص الإيثار أن الشيخ عبدالعزيز بن سليمان العريفي كان أول ما تصل قافلته القادمة من العراق إلى حائل تحمل الأطعمة وكان صاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت