فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 47

إن النفوس لما كانت مجبولة على محبة الأوطان وعدم مفارقتها، رغّب الشارع في الحج ترغيبًا شديدًا، وجعل له فضائل جليلة، وأجورًا كبيرة، لأنه يتطلب مفارقة الأوطان والمألوفات من أهل ومال وصاحب وعشيرة، وكذلك تشويقًا للعباد إلى رؤية تلك المعالم التي هبط فيها الوحي، ونزلت فيها الرسالة، لقد كان للحج تأثير عظيم في تزكية النفوس وإصلاح القلوب، لما فيه من معاني العبودية ومظاهر الربانية التي تجلّت في كل أعماله ومناسكه، فأثمرت في واقع السلف قلوبًا تقية وأفئدة زكية وأبدانًا طاهرة نقية، فكانوا مع أحسانهم العمل يخشون الرد وعدم القبول، فما أحرانا نحن المسلمين أن نعود إلى ما كان عليه السلف الصالح عقيدة ومنهاجًا، عبادة وسلوكًا، حتى نفوز بما فازوا به من سعادة الدارين، العزّ في الدنيا والنعيم في الآخرة.

الحج بين الواجب والواقع:

إن زاد العبادات في مجتمع المسلمين يُفترض أن يصبغ حركة المجتمع كله بدينونتهم لله تعالى في علاقاتهم ليظهر في سلوكيات الأفراد، فهل بدا واقع المسلمين بارزًا فيه صدى زاد الحج، تلك العبادة التي تمزج بين قلوب المسلمين، وترسخ فيها وحدة الشعور، ثمرة لوحدة الشعيرة، هل بدا كذلك؟ وهل تزود المسلمين من زاد الحج وعاشوا حكمه وهم يطبقون أحكامه على وجه مشروع ومسنون؟ هل تحرك ذلك الموكب من ذوي الرداء الأبيض الناصع بين الشاعر شامة تزين الأرض، يباهي بها الرحمن ملائكته، حجيجًا مترابطي القلوب، مسلمين على منهج الله؟ هل بدت حكم الحج العظيمة وآثارها الجليلة متحرّكة مع ذلك الموكب تنطق بها جوارح الحجيج، وتبدوا شاخصة في مناسكهم؟ هل ذابت الفوارق النفسية بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، وذهبت مع ثياب الحل وبدت النفوس صافية حانية متآلفة لا يقل صفاؤها عن صفاء ثياب الإحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت