فهرس الكتاب
أيها الحجيج/ وعما قليل يقفُ إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئًا لمن رزقه الله الوقوف بعرفة بجوار قوم يجأرون إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة، فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه ومحب ألهبه الشوقُ وأحرقه، وراجٍ أحسن الظنَّ بوعد الله وصدّقه، وتائب أخلص الله في التوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه، فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه، وحينئذ، يطلعُ عليهم أرحم الرحماء، ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنوا ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟
فيا أخي/ قم على بابه بالذل والانكسار، وارفع قصة ندمك، مرقومة على صحيفة خدّك بمداد الدموع الغزار، وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23] وقد دعا علي بن موسى بعرفة: «اللهم كما سترت عليّ ما أعلم. فاغفر لي ما تعلمْ، وكما وسعني علمُكْ فليسعني عفوك، وكما أكرمتني بمعرفتك فاشفعها بمغفرتك يا ذا الجلال والإكرام.
خواطر من عرفات
عرفات، يا رمز الأمة والرسالة، عرفات، كم وقفت بساحتك جموع، وسالت على ثراك دموع، وتعارفَ على راحتيك الناس، وذابت في محيطك الأجناس، وبورك مُنكسرٌ ورُدّ شديد المراس. كم تعانقت فوقك قلوب، وفرّجت على ثراك كروب، ومحيت أوزارٌ، كم امتزجت فيك دموع المذنبين، وتعانقت أصوات المستغفرين، وتوحدتْ رغبات الراغبين، كم تجرّدتْ فيك النيات وسألت على جنباتكِ العبرات، وخشع أهل الأرض لخالق الأرض والسماوات.
أيها المسلمون/ كم تغلي قلوب أعدائكم حقدًا! وكم عضوًا أناملهم غيضًا وحسدًا {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:105] هم يريدون أن يقطعوا دابر الدين كي تخور التقوى ويُتبع الهوى، وتعم البلوى، كي لا يعز دين، ولا يقوى يقين، ولا يتم تمكين.