هجر ما نهى الله عنه )) ، وجعل مالك معنى الحديث بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى أولاد المهاجرين، فيقدم أولاد من تقدمت هجرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ولد من أخرت هجرته عند التساوي في الفقه والقراءة، واعتبر الشافعي رحمه الله هذا المعنى وهجرة الإنسان بنفسه أيضًا حملًا للحديث على ظاهره، فإن حكم الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جمهور العلماء، أي: يجب على من كان ببلاد الكفر مسلمًا تجري عليه أحكام الكفار أن يهاجر إلى دار الإسلام.
587-وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا هجرة بعد الفتح ) )، إنما أراد بها الهجرة الكاملة التي كانت واجبة على أهل مكة، ولذلك قال هذا يوم فتح مكة كما جاء مصرحًا به في الحديث.
588-وأما التقديم بكبر السن عند الاستواء فيما تقدم، فقد اعتبر أصحابنا فيه كونه في الإسلام، لما جاء في بعض طرق حديث أبي مسعود هذا في (( صحيح مسلم ) ): (( فأقدمهم سلمًا ) )، فإن هذه الرواية تقتضي الترجيح بكبر السن؛ لأن صاحبه أقدمهم إسلامًا، ويقتضي اعتبار الإسلام أيضًا، فلا يقدم الكبير السن الذي هو متأخر الإسلام على من هو أصغر منه وقد تقدم إسلامه عليه.
589-وقد ذهب بعض أصحابنا إلى تقديم كبر السن على تقدم الهجرة وغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: (( وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ) ).
590-وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذا الخطاب كان لمالك ورفقته وهم مستوون في الإسلام والنسب والهجرة، والظاهر أنهم كانوا متساوين في الفقه والقراءة أيضًا؛ لأنهم هاجروا جميعًا؛ وأقاموا عند النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة فصحبوه