فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 453

يكون بأن يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويجسر على شبهةٍ ثم شبهةٍ أغلظ منها، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا، وقد يكون بكثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وربما أثم بذلك إذا نسب إلى تقصيرٍ في التحفظ، فمن احتاط لنفسه وحاسبها على فعالها لم يقارب الحرام ولا تعلق بشيءٍ يقربه من المعصية، ولا يدخل في شيءٍ من الشبهات إذا عصمه الله تعالى.

1096- ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثالًا بقوله: (( ألا وإن لكل ملكٍ حمىً ) )؛ فإن عادة الملوك من العرب وغيرهم أن يكون لكل منهم موضع يحميه لنفسه يمنع الناس منه، فمن دخله عاقبه، والله سبحانه حماه محارمه التي نهى عنها، كالقتل، والزنى، والسرقة، وأكل المال بالباطل، ونحو ذلك، فمن دخل حمى الله تعالى منتهكًا بارتكابه شيئًا مما حرمه استحق العقوبة، ومن قاربه يوشك أن يقع فيه.

1097- وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: (( ألا وإن في الجسد مضغة .. .. ) )إلى آخره؛ دليلٌ لما قاله أهل السنة أن القلب محل العقل، وعلى ذلك دل القرآن بقوله تعالى: {فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها} ، ولا شك [أن] صورة القلب موجودةٌ في جميع الحيوانات، والذي اختص به الإنسان وتميز به عن سائر الحيوان أن هذا العقل الذي منحه الله تعالى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويعرف الفرق بين الحلال والحرام، وبين المباح الخالي عن الشبهة والمشتبهات، فإذا وفق الله القلب لأن يعقل عن الله أمره ونهيه وقف عن الشبهات وكف عن الحرام، وكان ذلك سببًا لصلاح الجسد كله.

1098- وفي هذا الحديث من الفوائد الغزيرة، والمباحث الكثيرة ما لا يحتمله هذا الموضع وهي مبسوطة في كتاب أفردته لذلك، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت