أي: لا يجد من مشقة الصيام؛ لإدمانه عليه وكونه بقي عادة ما يجد من يصوم ويفطر، وقيل: بل هو دعاء خرج للنهي عن ذلك وبيان كونه مرجوحًا بالنسبة إلى فطر يوم وصيام يوم، وإلى هذا ذهب المتولي من أصحابنا أخذًا بظاهر هذا الحديث. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صوم يوم وإفطار يوم: (( لا أفضل من ذلك ) )، وقيل: بل يدل على المنع من صوم الدهر وكونه محرمًا أو مكروهًا وهو قول الظاهرية، والذي ذهب إليه الجمهور جوازه، وأنه راجح على غيره بسبب كثرة الأعمال وتضاعف الثواب على العمل، جريًا على القاعدة المعروفة.
1124- وتأولوا حديث عبد الله بن عمرو هذا على أن حقيقة صوم الأبد عدم الفطر بالكلية، فيدخل فيه صوم الأيام المنهي عنها، كالعيدين وأيام التشريق، ومن أفطر هذه الأيام فلم يصم الأبد، وهذا فيه نظر من وجهين:
1125- أحدهما: أن هذه الأيام غير قابلة للصوم الشرعي، فلا يبقى على هذا التأويل لفظ (( صام ) )في الحديث محمولًا على حقيقته الشرعية، بل على مدلوله اللغوي من مجرد الإمساك، وهو مجاز بالنسبة إلى الحقيقة الشرعية، والحمل عليها في ألفاظ الشارع هو الأولى.
1126- وثانيهما: أن النهي عن الصوم في هذه الأيام لذاتها لا من حيث كونه صوم الأبد، بل لو أفردت بالصوم كانت منهيًا عنها، والحديث إنما علق الذم بصوم الأبد (لا بصوم) هذه الأيام.
1127- وقال المحققون: هذا النهي كان بالنسبة إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه دون غيره من الأمة؛ فإن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (( إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ) ). متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على سرد الصوم ولم ينهه عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حال حمزة أنه يقوى على ذلك، ومن حال عبد الله [بن عمرو] (أنه)