والسلام لما هرب من فرعون لما ورد ماء مدين وجد عليه الجاريتين تذودان قال: ما لكما عون؟ قالتا: لا، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال: {رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقيرٌ} ، فلما أعجل بالجاريتين الانصراف أنكر ذلك أبوهما، وقال: ما أعجلكما اليوم؟ قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا فسقى لنا، قال: فما سمعتماه يقول: قالتا: سمعناه يقول: {رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقيرٌ} ، قال: ينبغي أن يكون هذا جائعًا تنطلق إليه إحداكما فتقول له: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} ، فأتته تمشي على استحياء -أي: على إجلال- فقالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فجزع من ذلك موسى عليه السلام، وكان طريدًا في فيافي الصحراء، فأقبل والجارية أمامه، فهبت الريح فوصفتها له، وكانت ذات حلق، فلما بلغ الباب دخل، فقال له شعيب عليه السلام -وإذا الطعام موضوع-: أصب يا فتى من هذا الطعام، فقال موسى عليه السلام: أعوذ بالله، قال شعيب عليه السلام: ولم؟ فقال موسى عليه السلام: لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبًا، فقال شعيب عليه السلام: لا والله ولكنها عادتي وعادة آبائي؛ نطعم الطعام، ونقري الضيف، فجلس موسى عليه السلام فأكل. قال أبو حازم: فإن كانت هذه الدنانير عوضًا لما سمعت من كلامي فإن أكل الميتة والدم - في حال الضرورة - أحب إلي - من أخذها. قال: وقدم -هشام يعني ابن عبد الملك- المدينة أيضًا، فأرسل إلى أبي حازم فقال له: يا أبا حازم عظني وأوجز، فقال له أبو حازم: اتق الله وازهد في الدنيا؛ فإن حلالها حساب، وحرامها عذاب، قال: لقد أوجزت يا أبا حازم، ارفع حوائجك إلى أمير المؤمنين، فقال أبو حازم: هيهات هيهات، قد رفعت حوائجي إلى من لا تختزل الحوائج دونه، فما أعطاني منها قنعت، وما منعني منها رضيت، وقد نظرت في هذا الأمر فإذا هو بصفان: أحدهما لي والآخر لغيري، فأما ما كان لي فلو احتلت فيه حيلةً ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قد ولى فيه، وأما الذي لغيري فذاك الذي