فإن هذه الأعيان لم يتناولها نصوص الحل وهي أيضًا في معنى ما اتفق عليه حله فالنص والقياس يقتضي حلها، وأيضًا فقد اتفقوا كلهم على أن الخمر إذا [صارت] خلًا [صار] حلالًا طاهرًا، واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر خلًا، والذين فرقوا بينهما قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة، ولحم الخنزير، وهذا الفرق ضعيف، فإن جميع النجاسات إنما نجست أيضًا بالاستحالة، فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة، وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوق منها، وأيضًا فإن الله حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبيث، كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب، وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيءٌ من وصف الخبيث، وإنما فيها وصف الطيب، فإذا عرف هذا فعلى أصح الروايتين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية؛ وليس فيها شيء من وصف الخبيث.
وعلى القول الآخر فلا بد أن يعفى عما يشق الاحتراز منه كما يعفى عما يشق الاحتراز منه من طين الشوارع وغبارها هذا إذا كان الوقود نجسًا، فأما الوقود الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر ذلك باتفاق العلماء، وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل، فإنها طاهرة في أصح قولي العلماء كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.