فهرس الكتاب
تدخل موضعًا يحل فيه شيء مما ذكرنا وإذا لم تدخل لم يصل إلى الخير الذي يكون معها ولم تصل إليه فعلى هذا يجب أن يبقى كل كافر على حاله ومن لم يخلق مؤمنًا معصومًا فلا سبيل له إلى الإيمان على هذا المفهوم.
فاعلم أن هذا يستدعي أصنافًا من علم القلوب ولا سبيل إلى ذلك في مثل هذا المقام المعلوم والقول والمعنى في جواب ما سألت عنه: أن للشيطان غفلات وللأخلاق المذمومة عدمات كما أن الملائكة لها عن القلوب غيبات ولتواتر الخير عليها فترات فإذا وجد الملك كما أعلمتك قلبًا خاليًا ولو منافر ودخل فيه وأراه ما عنده من الخير فإن صادف منه قبولًا ولما عرض عليه من الخير تشوقًا ونزوعًا أورد عليه ما يملأ ويستغرق لبه وإن صادف منه صحوًا وسمع منه بجنود الشياطين استغاثة بالأخلاق الكلابية استعانة رحل عنه وتركه ولهذا قيل: ما خلا لب عن لمة ملك أو نزعة شيطان.
فإن قلت: فأي بيت فهم عن النبي في الخطاب، وأي كلب أذهل بيت القلب كلب الخلق أو بيت اللبن وكلب الحيوان.
فاعلم أن الحديث خارج على سبب، ومعناه وجملته: أن المقصود بالإخبار هو بيت اللبن، وكلب الحيوان معلوم ولا بيتك في ذلك، ولكن يستقرأ منه ما قلناه ويستنبط من مفهومه ما نبهناك عليه ويتخطى منه إلى ما أشرنا لك نحوه، ولا نكر في ذلك إذا دل عليه العلم وجملة الاستنباط، ولم تمجه القلوب المستضاءة، ولم تصادم به شيئًا من أركان الشريعة؛ فلا تكن جاحدًا ولا تجزع من تشنيع جاهل ولا من نفور مقلد فكثيرًا ما ورد شرع مقرون بسبب فرأى أهل الاعتبار وجه تعديه عن سببه إلى ما في معناه ومشابه له من الجهة التي تصلح أن يعديها إليه، ولولا ذلك لما قال النبي:"رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى? مِنْ سَامِعٍ وَحَامِلِ فِقْهٍ إِلَى? مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ".
فإن قلت: فقد قال النبي:"لاَ تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بيْتًا فِيهِ صُورَةٌ"وعلم السبب الذي جاء هذا الحديث عليه وفيه، فهل يعدى عن سببه ويترقى منه إلى مثل ما ترقى من الحديث الآخر؟ فهذا كما قيل: الحديث شجون وأتبعنا هذا الباب ما يقرب منه ويبعد علينا التخلص عنه، نعم يترقى منه إلى قريب من ذلك وشبهه، ويكون هذا الحديث منبهًا عليه، وهو أن الصورة المنحوتة قد اتخذت آلهة وعبدت من دون الله عز وجل، وقد نبه الله عز وجل قلوب المؤمنين على عيب فعل من رضي بذلك، ونقص إدراك من دان به حين قال مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام حيث قال: {أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ واللَّهُ خَلقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} فإن قيل: فظاهر الحديث يقتضي منافرة الملائكة لكل صورة عمومًا وما ذكرته تعليلًا ينبغي أن لا يقتضي إلا منافرة ماعبد أو ما نحت على مثاله؟.