فهرس الكتاب
وهم الوفود منه بالخيرات والموصلون إليه وعنه بالباقيات الصالحات. ولولا تلك الأخلاق المذمومة التي حلت فيهم وهي التي ذم الكلب لأجلها لما احترمت الملائكة بإذن الله عن حلولها فيها وهي لا تخلو من خير تنزل به ويكون معها فحيثما حلت حل الخير في ذلك القلب بحلولها، وإنما هي لها فحيثما وجدت قلبًا خاليًا ولو حينًا من الدهر وزمنًا نزلت عليه ودخلته وثبتت ما عندها من الخير عنده. فإن لم يظهر على الملائكة ما أزعجها عنه من تلك الأخلاق المذمومة بواسطة الشياطين الذين هم في مقابلة الملائكة ثبتت عنده وسكنت فيه ولم تبرح عنه وعمرته بقدر سعة البيت وانشراحه من الخير. فإن كان البيت كثير الاتساع أكثرت فيه من متاعها واستعانت بغيرها حتى يمتلىء البيت من متاعها وجهازها، وهو الإيمان بالله والصلاح وضروب المعارف النافعة عند الله عز وجل، فإذا طرق ذلك البيت طارق شيطان ليسرق من ذلك الخير الذي هو متاع الملك ويثبت فيه خلفًا مذمومًا لا يوجد إلا في الكلب وهو متاع الشيطان قاتله الله وطرده عن ذلك المحل، فإن جاء للشيطان مدد من الهوى من قبل النفس ولم يجد الملك نصره وهو عزم اليقين من قبل الروح، انهزم الملك وأخلى البيت ونهب المتاع وخرب البيت بعد عمارته وأظلم بعد نوره وضاق بعد انشراحه، وهكذا حال من آمن وكفر، وأطاع وعصى؛ وضل واهتدى.
فإن قلت: فميز لي أصناف هذه الأخلاق المذمومة التي صدت هؤلاء الأصناف المذكورين عن اعتقاد الإيمان ونفرت الملائكة عن النزول إلى قلوبهم بكشف معاني التوحيد ومنعهم من الحلول فيها حتى لم ينالوا شيئًا من الخيرات الكائن معها.
فاعلم أن الأخلاق التي لا يجتمع معها الملائكة في قلب واحد كثيرة والتي في قلوب هؤلاء منها معظمها وهي الطمع في غير خطير والحرص على فانٍ حقير.
وأما الصنف الأول؛ فإنهم رجعوا وخافوا أن تبدو لهم صحة ما يشغلهم عن لذاتهم وينغص عليهم ما رغبوا فيه من راحاتهم وتكدر لديهم منال شهواتهم فأبقوا أمرهم على ما هم عليه.
وأما الصنف الثاني والثالث فصدهم أيضًا خوف وجزع وحرص على ما ألفوه من تبجيل أحدهم أن يزول ومؤانسة أشياعهم أن تتغير وتذهب ومواساة إيلافهم أن تنقطع واستثقالًا لما يشاهدونه من أهل الإيمان أن يلتزموه وفرارًا من شرائطه وما يصحبه من الأعمال والوظائف إذ يمتثلوه والكلب ما ذم لصورته وإنما ذم بهذه الأخلاق التي هي الطمع في الخسائس والجزع من الصبر على ما يعده من الفضائل حتى احترمت الملائكة أن تدخل بيتًا فيه كلب.
فإن قلت: فكيف آمن من كفر، وأطاع من عصى، واهتدى من ضل إذا كانت الشياطين لا تفارق قلب الكافر والعاصي والضال بما تثبتون من الأخلاق المذمومة التي هي كلاب نابحة وذئاب عادية وسباع ضارية؟ وأصناف الخير إنما ترد من الله عز وجل بواسطة الملائكة وهي لا