الصفحة 13 من 40

في حديث الشفاعة الذين أخرجهم الله عز وجل من النار بشفاغته حين يقول تعالى: فرغت شفاعة الملائكة والنبيين وبقيت شفاعتي وهو أرحم الراحمين، فيخرج من النار أقوامًا لم يعملوا حسنة قط ويدخلون الجنة ويكون في أعناقهم سمات ويسمون عتقاء الله عز وجل، والحديث يطول وهو صحيح، وإنما اختصرت منه قدر الحاجة على المعنى، وحكم الصنف الأول والثاني والثالث أجمعين أن لا يجب لهم حرمة ولا يكون لهم عصمة ولا ينسبون إلى إيمان ولا إسلام، بل هم أجمعون من زمرة الكافرين وجملة الهالكين، فإن عثر عليهم في الدنيا قتلوا فيها بسيوف الموحدين، وإن لم يعثر عليهم فهم صائرون إلى جهنم خالدون تفلح وجوههم النار وهم فيها كالحون.

ولما كان اللفظ المنبىء عن التوحيد إذا انفرد عن العقد وتجرد عنه لم يقع به في حكم الشرع منفعة ولا لصاحبه بسببه نجاة إلا مدة حياته عن السيف أن يراق دمه، واليد أن تسلط على ماله إذا لم يعلم خفي حاله حسن فيه أن يشبه بقشر الجوز الأعلى فهو لا يحتمل ولا يرفع في البيوت ولا يحضر في المجالس أي مجالس الطعام، ولا تشتهيه النفوس إلا ما دام منطويًا عل مطعمه صونًا على لبه، فإذا أزيل عنه بكسر أو علم منه أنه منطو على فراغ أو سوس أو طعمه فاسد لا يصلح لشيء ولم يبق فيه غرض لأحد وهذا لا خفاء في صحته، والغرض بالتمثيل تقريب ما غمض إلى نفس الطالب وتسهيل ما اعتاص على المتعلم والسامع فهمه، وليس من شرط المثال أن يطابق الممثل به من كل وجه، فكان يكون هو ولكن من شرطه أن يكون مطابقًا للواحد المراد منه.

فإن قلت فما الذي صد هؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النطق عن النظر والبحث حتى تعلموا، أو عن الاعتقاد حتى تخلصوا من عذاب الله وهم في الظاهر قادرون على ذلك؟ وما المانع الخفي الذي منعهم وأبعدهم عنه وهم يعلمون أن ما عليهم كبير مؤونة ولا عظيم نفقة؟.

فاعلم أن هذا السؤال يفتح بابًا عظيمًا ويهز قاعدة كبيرة يخاف من التوغل فيها أن يخرج من المقصد. ولكن لا بد إذا وقع في الأسماع ووعته قلوب الطالبين واشتاقت إلى سماع الجواب عنه أن نورد في ذلك قدر ما يقع به من الكفاية وتقنع به النفوس بحول الله وقوته. نعم ما سبق في العلم القديم لا تجري بخلافه المقادير. من ذلك فهم بإرادة الله عز وجل جاء اختصاص قلوبهم بالأخلاق الكلابية والشيم الذئابية والطباع السبعية وغلبتها عليهم. والملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب. كذلك قال عليه الصلاة والسلام: والقلوب بيوت تولى الله بناءها بيده وأعدها لأن تكون خزائن علمه ومشارق مكنوناته ومهبط ملائكته ومغاشي أنواره ومهاب نفحاته ومجال مكاشفاته ومجاري رحمته، وهيأها لتحصيل المعرفة به فمتى كان فيها شيء من تلك الأخلاق المذمومة لم يدخلها الملائكة ولم ينزل عليها شيء من الخير من قبله. إذ هي الوسائط بين الله تعالى وبين خلقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت