الصفحة 17 من 40

عليهم بالمعارضة أو الاعتراض لم يلتفتوا إليه ولا أصغوا لما يأتي به ويترفعوا إلى أن يجاوبوه لما يحملهم عليه من سوء الفهم أو رداءة الاعتقاد وعندهم أن جميع تلك المخاييل في باب الاستدلال أرسخ من شوامح الجبال، فمنهم من يعتقد دليله مذهب شيخه الرفيع القدر المطلع على العلوم، ومنهم من يكون دليله خبرًا له، ومنهم من يكون دليله بعض محتملات آية أو حديث صحيح، ولعمري إنهم ينبغي إذا صادفوا السنة باعتقادهم ولم يقعوا في شيء من الضلال أن يتركوا على ما هم عليه ولا يحركوا بأمر آخر، بل يصدقوا بذلك ويسلم لهم لئلا يكون إذا تتبع الحال معهم ربما لقنوا شبهة أو ترسخ في نفوسهم بدعة يعسر انحلالها أو يقعوا في تكفير مسلم وتضليله، بل هناك أسباب كثيرة.

واعلم أن اعتقاد الخلائق وعلمها من أغذية النفوس؛ فمن رغب في أكملها لم يقنع بدونها، وإذا حصل له ذلك قوي به، ومن قنع بأيسرها ولم تطمح همته إلى ما هو أعلى من ذلك ضعف، ولكنه يعيش عيش الطفيف، وإنما يهلك من لا بلغة له ولا يجدها، أو يجدها ولكنها تكون مشابة ممن جاء بمضرة بدعة وسموم كفر، فلا تذهل عما يشار لك إليه، وإنما المرغوب تنبيهك والله المستعان، وقلما بين الصنف الثاني والأوّل كل التفاوت، من حيث إن أولئك مقلدون فيما يعتقدونه دليلًا، غير أنهم أوثق رباطًا من الأولين، لأن أولئك إن وقع إليهم من شككهم ربما شكوا وانحل رباط عقدهم، وهؤلاء في الأغلب لا سبيل إلى انحلال عقودهم إذ لا يرون أنفسهم أنهم مقلدون، وإنما يظنون أنهم مستدلون عارفون، فلهذا كانوا أحسن حالًا.

والصنف الثالث: أقروا واعتقدوا كما فعل الذين من قبلهم، وقدموا النظر أيضًا، ولكنهم لعدم سلوكهم سبيله مع القدرة عليه ومعهم من الذكاء والفطنة والتيقظ ما لو نظروا لعلموا، ولو استدلوا لتحققوا، ولو طلبوا لأدركوا سبيل المعارف ووصلوا، ولكنهم آثروا الراحة ومالوا إلى الدعة، واستبعدوا طريق العلم، واستثقلوا الأعمال الموصلة إليه، وقنعوا بالقعود في حضيض الجهل، فهؤلاء فيهم إشكال عند كثير من الناس في البديهة، ويتردد في حالهم النظر وهل يسمون عصاة أو غير ذلك يحتاج إلى تمهيد آخر ليس هذا مقامه، والالتفات إلى هذا الصنف أوجب خلاف المتكلمين في العوام على الإطلاق من غير تفريق بين بليد ومتيقظ وفطن، فمنهم من لم ير أنهم مؤمنون، ولكن لم يحفظ عنهم أنهم أطلقوا اسم الكفر عليهم، ولعلك تقول: إن مذهبهم المشهور أن المحل لا يخول عن الصفات إلا إلى ضدها، فمن لم يحكم له بالإيمان حكم عليه بالكفر، كما أن من لم يحكم له بالحركة حكم عليه بالسكون، وكذلك الحياة والموت، والعلم والجهل، وسائر ما له من الصفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت