فهرس الكتاب
قلنا: فلئن صح ذلك في الصفات التي هي أعراض فقد لا يصح في الأوصاف التي هي أحكام الإيمان والكفر، والهداية والضلال، والبدعة والسنة، ربما كانت ليست من قبيل الأعراض. وإنما ذكرت لكل هذا في معرض الشك في شعوب ما نورد على ذلك، ومنهم من أوجب لهم الإيمان ولكن أوجب لهم المعرفة وقدرها لهم وعجزهم عن العبادة ووجوب العبادة في الشرع جار على هذا النحو، وهؤلاء لم يخالفوا المذكورين قبلهم؛ لأن أولئك سلبوا الإيمان عمن لم يصدر اعتقاده عن دليل، وهؤلاء أوجبوا الإيمان لمن أضافوا إليه المعرفة المشروطة في صحة الإيمان، وإنما فروا عن الشناعة الظاهرة فشذوا عن الجمهور بهذا الاحتمال، وزادوا على أنفسهم أنهم ألموا بقول من جعل المعارف كلها ضرورية، ولم يشعروا بذلك حين قالوا: إنما عجزت العامة عن سرد الدليل وتعظم العبارة عنه، وأنه لا تجب عليهم لأنهم إذا نبهوا وعرض عليهم ما قرب من الألفاظ واعتادوا من المخاطبات دلائل الحدوث ووجوه الافتقار إلى المحدث بعد لاعتقدوا وعددوا من هذه المعارف كثيرًا ووجدوا أنفسهم عارفين بذلك.
واعلم أن من يقول إن المعارف كلها ضرورية هكذا يقول إنما افتقر الناس إلى النسبية ولم يتمرنوا على العبارة على مواضع العلوم، وإلا فهم إذا نبهوا عليها وتلطف بهم في تفهيمها بالزوال إلى ما ألفوه من العبارات وجدوا أنفسهم غير منكرة لما نبهوا عليه وسارعوا إلى الفيئة، ومثال هذا كمن نسي شيئًا كان معه أو إنسانًا نصحه أو رآه فنسيه وغفل عنه لأجل غيبته ثم رآه بعد ذلك فذكر، فإنه يقال بدا لأنه كان عارفًا بما غاب عنه لكنه ناسٍ له أو غافل عنه، ولولا عرفانه به ما وجد عدم الإنكار وسرعة الألفة عنه، وطائفة من المتكلمين أيضًا أوجب لهم الإيمان مع عدم المعرفة المشروطة عند أولئك، وأي الآراء أحق بالحق وأولى بالصواب ليس من غرضنا في هذا الموضع، وإنما غرضنا تبعيد ما أشاعه في الإحياء أهل الغلو والأغلال فلا يفتح مثل هذا الباب وقد أبدينا من وجه ذلك في مراقي الزلف ما يغني فيها بإذن الله عز وجل.
تفصيل آخر من جهة أخرى هو من تتمة ما جرى، فلتعلم أن ما منهم صنف إلا وله على التقريب ثلاثة أحوال: لا يستبد أحدهم من أحدها بحكم الاعتقاد الضروري، فأصفى الحالات لهم أن يعتقد أحدهم جميع أركان الإيمان على ما يكمل عليه في الغالب، لكنه على طريق التفاوت كما سبق، الحالة الثانية: أن لا يعتقدوا إلا بعض الأركان مما فيه خلاف إذا نفر ولم ننصف إليه في اعتقاده سواء هل يكون مؤمنًا أو مسلمًا أن يعتقد وجود الواحد فقط، أو يعتقد أنه موجود حتى لا غير، وأمثال هذه التقديرات، ويخلو عن اعتقاد باقي الصفات خلوًا كاملًا لا يخطر بباله ولا يعتقد فيها حقًا ولا باطلًا ولا صوابًا ولا خطأ، ولكن التقدير الذي يعتقده من الأركان الثلاثة موافق للحق غير منسوب لغيره. والحالة الثالثة: أن يعتقد الوجود كما قلنا والوحدانية