فهرس الكتاب
ظاهرًا وباطنًا، وإنما كانت تؤخذ عنهم علوم الشرع على الأقل وهو في حال ذلك الشغل والنظر إلى حال العموم أوكد من النظر إلى الخصوص، لأن الخصوص لهم بأنفسهم عناء ولهم بحالهم قيام، والعموم إن لم يكن مشتغلًا بهم وإذا بدا لهم محذرًا عن هلكاتهم وسائقًا بهم إلى مراشدهم وصلاحهم كان الهلاك إليهم أسرع، ثم لا يكون من بعد ذلك إن فسد حال العموم للخصوص قدر، ولا يظهر له نور ولا يقدرون على شيء كامل من البر، فلا خاصة إلا بعامة، ولقد كانت رعاية النبي بحال الجماهير أكثر، والخوف عليهم من الزيغ والضلال والهلاك أشد، واللطف بهم في تخفيف الوظائف والأخذ بالرفق أبلغ، وكان أهل القوة وذوو البصائر في الحقائق يأخذون أنفسهم بالمشقات، وكان هو يحب أن يعمل بالعمل من الطاعة فما يمنعه منه، أو من المداومة عليه إلا خوف أن يفرض على أمته حين علم من أكثرهم الضعف ولم يكره لهم، وفيه زيادة الأجر وكثرة الثواب والقرب من الله تعالى ولكن خاف عليهم أن يقعوا في تضييع الفرض فيكون عليهم كفل من الوزر ألا ترى كيف نهى الخلق عن قيام الليل كله، وكان عثمان رضي الله عنه يقومه فلم ينهه ومنع السيف من كل من أراد أخذه بما شرط عليه فيه حتى جاء من علم منه القدرة على الوفاء بما شرط عليه فأعطاه إياه وقال لعائشة رضي الله عنها: لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت البيت على قواعد إبراهيم. وقال للأنصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، ومع ذلك فالذي حفظ عنه وعن الصحابة من بعده وفقهاء الأمصار وأعيان المتكلمين من الإشارات لتلك العلوم كثير لا يحصى، وإنما القليل من حمله اليوم عنهم وتفقه مثلهم فاقصد تجد، وتصد لاقتباس المعارف تعلم، وطالع كتب الحديث والتواريخ ومصنفات العلوم توقن. {وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتيَ خَيْرًا كثيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أولُو الألْبابِ} بيان المرتبة الرابعة وهو توحيد الصدّيقين:
وأما أهل المرتبة الرابعة فهم قوم رأوا الله سبحانه وتعالى وحده، ثم رأوا الأشياء بعد ذلك به فلم يروا في الدارين غيره ولا اطلعوا في الوجود على سواه، فقد كان بيان إشارات الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فيما خصوا من المعرفة في هجيراهم، فكان هجير أبي بكر الصديق رضي الله عنه"لا إله إلا الله"وكان هجير عمر رضي الله عنه"الله أكبر"وكان هجير عثمان رضي الله عنه"سبحان الله"وكان هجير علي رضي الله عنه"الحمد لله"فاستقرى السابقون من ذلك أن أبا بكر لم يشهد في الدارين غير الله سبحانه وتعالى، فلذا كان الصديق، وسمي به كما علمت، وكان يقول:"لا إله إلا الله"وكان عمر يرى ما دون الله صغيرًا مع الله في جنب عظمته فيقول:"الله أكبر"وكان عثمان لا يرى في التنزيه إلا الله تعالى إذ الكل قائم به غير معرى من النقصان والقائم بغيره معلول فكان يقول:"سبحان الله"وعلي لا يرى نعمة في الدفع والرفع والعطاء والمنع في