الصفحة 24 من 40

حاكم في الدارين سواه ومشاهدة القلوب لما حجب من الغيوب، ومن أين للنازل طي المنازل، وما لعلم الكلام مثل هذا المقام، بل هو من خدام الشرع وحراس متبعيه من أهل الاختلاس والقطع، وله مقام على قدره ويقطع به، ولكن ليس عن مطالع الأنوار ومدارك الاستبصار، والمدار في أوقات الضرورات والاختيار وبين ما يراد لوقت حاجته إن دعت، وخصام صاحب بدعة ومناضلة ذي ضلالة بما ينغص على ذوي اليقين العيش ويشغل الذهن ويكدر النفس، وما أهله الذين حفظ عنهم ووقع علمه فيما مضى من الزمان إليهم لا نقول في أكثرهم إنهم لا يحسنون غيره.

ولا يختصون بالتوحيد بمقام سواه بما هو أعلى منه، بل الظن بهم أنهم علماء مثل ما ذكرنا، فهم نصراء لكنهم لم يبدوا من العلم في الظاهر إلا ما كانت الحاجة إليه أمس والمصلحة به لتوجه الضرورة أعم وأوكد، ولما كان نجم في وقتهم من البدع وظهر من الأهواء وشاع من تشتيت كلمة أهل الحق وتجرؤ العوام مع كل ناعق، فرأوا الرد عليهم والمنازعة لهم والسعي في اجتماع الكلمة على السنة بعد افتراقها، وإهلاك ذوي الكيد في احتيالهم، وإخماد نارهم الذين هم أهل الأهواء والفتن، وأولى بهم من الكلام بعلوم الإشارات وكشف أحوال أرباب المقامات ووصف فقه الأرواح والنفوس وتفهم كل ناطق وجامد فإن هذه كلها وإن كانت أسنى وأعلى فإن ذلك من علم الخواص وهم مكفيون المؤونة، والعامة أحق بالحفظ وعقائدهم أولى بالحراسة، واستنقاذ من يخاف عليه الهلاك أولى من مؤانسة وحيد والتصدق على ذي بلغة من العيش، فكيف إن كان من غناء، وأيضًا فإن علم الكلام إنما يراد كما قلنا للجدال، وهو يقع من العلماء العارفين مع أهل الإلحاد والزيغ لقصورهم عن ملاحظة الحق موقع السيف للأنبياء والمرسلين عليهم السلام، بعد التبليغ مع أهل العناد والتمادي على الغيّ وسبيل الفساد، فكما لا يقال: السيف أبلغ حجة النبي، كذلك لا يقال: علم الكلام والجدال أبلغ مقام من ظهر منه من العلماء، وكما لا يقال في الصدر الأول فقهاء الأمصار ومن قبلهم حين لم يحفظ عنهم في الغالب إلا علوم أخر كالفقه والحديث والتفسير، لأن الخلق أحوج إلى علم ما حفظ عنهم وذلك لغلبة الجهل على أكثرهم، فلولا أن حفظ الله تعالى تلك العلوم بمن ذكرنا لجهلت العبارات وانقطع علم الشرع، ونحن مع هذه الحالة نعلم أنهم عارفون بالتوحيد على جهة اليقين بغير طريق علم الكلام والجدل، يتحلون بالمقامات المذكورة وإن لم يشتهر عنهم ذلك اشتهار ما أخذه عنهم الخاص والعام، ومثل ذلك حالة الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي لما خافوا من دروس الإسلام وأن يضعف ويقل أهله ويرجع البلاد والعامة إلى الكفر كما لو كانوا أول مرة، فقد مات صاحب المعجزة والمبعوث لدعوة الحق عليه الصلاة والسلام رأوا أن الجهاد والرباط في ثغر العدو والغزو في سبيل الله وضرب وجوه الكفرة بالسيف وإدخال الناس في دين الله أولى بهم من سائر الأعمال وأحق من تدريس العلوم كلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت