فهرس الكتاب
منهم في اليقين وصفاء القلب، وهؤلاء الأصناف الثلاثة إنما عرفوا الله سبحانه بمخلوقاته، وانقسامهم في تلك المعرفة كانقسام حفاظ تلاوة القرآن مثلًا، فمن حافظ لبعضه ويكون ذلك البعض أكثر أو كثيرًا منه دون كماله، ومن حافظ لجميعه لكنه متلعثم فيه متوقف على الانهمار في تلاوته غير متوقف في شيء منه وكلهم ينسب إليه ويعد في المشهد والمغيب من أهله، وكذلك أهل هذه المرتبة أيضًا منهم متوصل إلى المعرفة من قراءة صفحات أكثر المخلوقات أو كثير منها، وربما كان فيما يقرأ من الصفحات ما يغم عليه، ومن قارىء لجميعها متفهم لها لكن بنوع تعب ولزوم فكرة ومداومة عبرة. ومن ماهر في قراءتها مستخرج لرموزها نافذ البصيرة في رؤية حقيقتها مفتوح السمع تناطقه الأشياء في فراغه وشغله وبحسب ذلك اختلفت أحوالهم في الخوف والرجاء والقبض والبسط والفناء، ولا مزيد على هذا المثال فهو أصلح لذوي الأفهام من شمس النهار وقت الزوال وعلمت لما سمي أهل هذه المرتبة مقربين فذلك لبعدهم عن ظلمات الجهل وقربهم من أنوار المعرفة والعلم، ولا أبعد من الجاهل ولا أقرب من العارف العالم، والقرب والبعد ههنا عبارتان عن حالتين على سبيل التجوز في لسان الجمهور، وعلى الحقيقة عند المستعملين لهما في هذا الفن، إحدى الحالتين عماء البصيرة وانطماس القلب والخلو عن معرفة الرب سبحانه وتعالى، ويسمى هذا بعدًا، مأخوذًا من البعد عن محل الراحة والمزل الواجب وموضع العمارة والأنس والانقطاع في مهامه القفر وأمكنة الخوف ومظان الانفراد والوحشة. والحالة الثانية: عبارة عن اتقاد الباطن واشتعال القلب وانفساح الصدر بنور اليقين والمعرفة والعقل، وعمارة البيت بمشاهدة ما غاب عنه أهل الغفلة واللهو، ولكنه يدل على أنه لم يصل؛ لعلك تقول: أرى بعض أئمة الكلام شغل عن لحوق هذا المقام كأن لم يضربوا فيه بسهم، ولم يفز قدحهم منه بحظ ولا سهم وأراهم عند الجمهور في الظاهر وعند أنفسهم أنهم أهل الدلالة على الله تعالى وقادة الخلق إلى مراشدهم ومجاهدون أرباب النحل المردية والملل الضالة المهلكة، وقد سبق في الإحياء أنهم مع العوام في الاعتقاد سواء، وإنما فارقوهم بإحسانهم حراسة عقودهم.
فاعلم أن ما رأيت في الإحياء صحيح ولكن بقي في كشفه أمر لا يخفى على المستبصرين، ولا يغيب عن الشاذين إذا كانوا منصفين: وهو أن المتكلمين من حيث صناعة الكلام فقط لم يفارقوا عقود العوام، وإنما فارقوهم بالجدل عن الانخرام، والجدل على لفظي وأكثره احتيال وهمي وهو عمل النفس وتخليق الفهم وليس بثمرة المشاهدة والكشف، ولأجل هذا كان فيه السمين والغث، وشاع في حال النضال إيراد القطعي وما هو حكمه من غلبة الظن وإبداء الصحيح وإلزام مذهب الخصم، والمقام المشار إليه بالذكر وشبهه إنما هو علم التوحيد وفهم الأحوال ومعرفته باليقين التام والعلم المضارع للضروري بأن لا إل?ه إلا الله إذ لا فاعل غيره ولا