الصفحة 22 من 40

وأما الحد الثاني؛ فالكلام فيه أكثر ما يكون على طريقة ضرب الأمثال، تشبيهًا بالرمز تارة وبالتصريح أخرى؛ ولكن على الجملة بما يناسب علوم الظواهر ولكن يشرف بذلك اللبيب الحاذق على بعض المراد ويفهم منه كثيرًا من المقصود وينكشف له جل ما يشار إليه، إذا كان سالمًا من شرك التعصب بعيدًا من هوة الهوى نظيفًا من دنس التقليد.

وأما الحد الثالث: فلا سبيل إلى ذكر شيء منه إلا مع أهله بعد علمهم به على سبيل التذكار لا على التعليم وإنما كانت أحكام هذه الحدود الثلاثة على ما وصفناه لأن الحد الأول فيه محض النصح للخلق واستنقاذهم من غمرة الجهل والتنكيب بهم من مهاوي العطب وقودهم إلى معرفة هذا المقام وما وراءه مما هو أعلى منه مما لهم فيه الملك الأكبر وفوز الأبد، وقد بين لهم غاية البيان وأقيم عليه واضح البرهان وهو يومئذٍ الطريق وأول سبيل السعادة، فمن عجز عن ذلك كان عن غيره أعجز، ومن سلكه على استقامة فالغالب عليه الوصول إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ومن وصل شاهد ومن شاهد علم، وذلك غاية المطلوب ونهاية المرغوب والمحبوب، ومن قعد حرم الوصول وما بعده: {وفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدينَ عَلَى القَاعِدينَ أجْرًا عَظيمًا} {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ} وحكي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: ليس عندالناس من علم الآخرة إلا الأسماء، وأراد من لم ينكشف له شيء من علمها وحقائقها في الدنيا، وأيضًا لهو جاز الإخبار بها لغير أهلها لم يكن لهم سبيل إلى تصوّرها إلا على خلاف ما هي عليه بمجرد تقليد ويتطرق إليه من أهل الغفلة وذوي القصور جحود وتبعيد؛ فلهذا أمروا بالكتم إشفاقًا على من حجب من العلم؛ ولهذا قال سيد البشر:"لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تصِلْهُ عُقُولُهُمْ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله وَرَسُولُهُ؟". وقال:"مَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً".

وعلى هذا يخرج قول المشايخ: وإفشاء سر الربوبية كفر، رزقنا الله وإياكم قلوبًا واعية الخير إنه ولى كل صالح؛ وإذا علمت أن الحد الأول قد تقرر علمه في كتب الرواية والدراية وملئت منه الطروس وكثرت به في المحافل الدروس، وهو غير محجوب عن طالب ولا ممنوع عن راغب، قد أمر الجهال به أن يتعلموه والعلماء أن يبذلوه ويعلموه، فلا نعيد فيه ههنا قولًا، ولما كان حكم الحد الثالث الكتم تارة وتسكيت الكلام عنه مع غير أهله على كل حال، لم يكن لنا سبيل إلى تعد إلى محدودات الشرع، فلنثن العنان إلى الكلام بالذي يليق بهذا الحال والمقام فنقول: أرباب المقام الثالث في التوحيد وهم المقربون على ثلاثة أصناف على الجملة، فكلهم نظروا إلى المخلوقات فرأوا علامات الحدوث فيها لائحة، وعاينوا حالات الافتقار إلى الله تعالى عليهم واضحة وسمعوا جميعها تدل على توحيده وتفريده راشدة ناصحة، ثم رأوا الله تعالى بإيمان قلوبهم وشاهدوه بغيب أرواحهم، ولاحظوا جلاله وجماله بخفي أسرارهم، وهم مع ذلك في درجات القرب على قدر حظ كل واحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت