الصفحة 21 من 40

بهذا القول وتتمارى في الفرق، وما موضع هذا التماري من المثل الذي ضربه فيهم رسول الله، فمالي أراك تلاحظ جهة وتترك أخرى وتذكر شيئًا وتذهل عن غيره؟ عليك بالعدل تكن من أهله، واستعمل التفطن تشاهد العجائب المعجبة وتفهم قول الله: {وَكَذ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيدًا} ولما كان الاعتقاد المجرد عن العلم بصحته ضعيفًا وتفرده عن المعرفة قريبًا ممن رآه أبقى عليه شبه القشر الثاني من الجوز، لأن ذلك القشر يؤكل مع ما هو عليه صونًا، وإذا انفرد أمكن أن يكون طعامًا للمحتاج وبلاغًا للجائع، وبالجملة؛ فهو لمن لا شيء معه خير من فقده وكذلك اعتقاد التوحيد.

وإن كان مجردًا عن سبيل المعرفة وغير منوط بشيء من الأدلة ضعيفًا، فهو في الدنيا والآخرة وعند لقاء الله عز وجل خير من التعطيل والكفر، ومتى ركب أحد هذا فقد وقع في أعظم الحرج والمنكر.

بيان أرباب المرتبة الثالثة وهو توحيد المقرّبين

والكلام في هذا النوع من التوحيد له ثلاثة حدود:

أحدها: أن يتكلم في الأسباب التي توصل إليه المسالك التي يعبر عليها نحوه والأحوال التي يتخذها بحصوله كما قدره العز بن العليمي، واختار ذلك ورضاه وسماه الصراط المستقيم.

والحد الثاني: أن يكون الكلام في عين ذلك التوحيد ونفسه وحقيقته، وكيف يتصور للسالك إليه والطالب له قبل وصوله إليه وانكشافه له بالمشاهدة.

والحدّ الثالث: في ثمرات ذلك التوحيد وما يلقى أهله به ويطلعون عليه بسببه ويكرمون به من أجله ويتحققون من فوائد المزيد من جهته، أما الحد الأول فالكلام عليه والبيان له والكشف لدقائقه وتذلله للصغير والكبير مأمور به مشدد في أمره متوعد بالنار على كتمه فبه بعث الأنبياء ومن أجله أرسل الرسل وببيانه للناس كافة نزلت من عند الله عز وجل على أمناء وحيه الصحف والكتب وليقع التفقه في القلوب بتحقيقه وتصديقه أيدت الرسل بالمعجزات والأولياء والأنبياء بالكرامات، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وعليه أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وفيه أنزل الله: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} "مَنْ سُئِلَ عَنْ عَلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ"وجميع ذلك محصور في اثنتين: العلم بالعبرة، والعمل بالسنة؛ وهما مبنيان على آيتين: الحرص الشديد والنية الخالصة. والسر في تحصيلهما اثنان: نظافة الباطن، وسلامة الجوارح؛ ويسمى جميع ذلك بعلم المعاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت