فهرس الكتاب
فإن قلت: فإن من الناس وأئمة العلماء من لم يوجب الإيمان لمن اعتقد جميع الأركان إذا لم يصحبها معرفة ولم يقصدها دليل فكيف بمن فاته اعتقاد بعضها أو كلّها؟.
قلنا: قد أريناك وجه الاعتراض على هذا المذهب ونبهناك على بعد أهله عن وجه الحق فيه وأنهم أرباب تعسف، ولو استقصى مع كثير منهم القول في ذلك لبدا له أنه تسبب إلى ما يظهر له من تصوره عن معرفة شرطها في إيمان غيره، ولآثر من حسه الركون إلى ما رأيناه أولى من رأيه وأحق بالصواب ولعدل عن مذهبه، ثم بعد ذلك تراهم حين أخبروا عن سلب الإيمان عنهم لم يبقوا اسم الكفر عليهم ثم يعرضوا على الاستتابة إن كانت من مذهبه، ثم يحكم فيه بالقتل والاسترقاق؛ فإذا تأملت هذا لم يخف عليك عيب ما قالوه ونقص ما مالوا إليه، فلنرجع إلى ما نحن بسبيله ونستعين بالله عز وجل. وأما أرباب الحالة الثالثة ـ وهي اعتقاد البدعة في الصفات أو بعضها ـ فإن حكمنا بصحة إيمان أهل الحالة المذكورة قبل هذا وإسلامهم حققنا أمر هؤلاء فيما اعتقدوه، إذ لم يقعوا فيه بوجه قصد يقطعهم عن إيصال العذر، لأن هؤلاء قد حصل لهم في العقد ما هو شرط الخلاص والنجاة من الهلاك الدائم وأصيبوا فيما وراء ذلك، فإن أمكن ردهم في الدنيا وزجرهم عنه إن أظهروا المنع عن الإقلاع والرجوع بالعقوبة المؤلمة دون قتل كان ذلك، وإن قالوا بالموت لم نقصرهم في اعتقادنا عن أرباب الحالة الثانية المذكورة قبلهم، والله أعلم بالناجي والهالك من خلقه، والمطيع والعاصي من عباده، هكذا ينبغي أن يكون مذهب من نظر في خلق الله تعالى بعين الرأفة والرحمة ولم يدخل بين الله عز وجل وبين عباده فيما غاب عنه علمه وعدم فيه سبيل اليقين وفهم معنى قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُول?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مسْؤُولًا} فإن قلت: وأين أنت من تكفير كثير من الناس لجميع أهل البدع عامة وخاصة، وقول النبي في القدرية:"إِنَّهُمْ مَجُوسُ ه?ذِهِ الأُمَّةِ"وقوله:"سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى? ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً"وقال عن قوم:"يَخْرُجُونَ عَلَى? حِينِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ بِقَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّةِ، أَوْ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّةِ يَمْرُوقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"والأحاديث الواردة فيمن اعتقد شيئًا من الأهواء والبدع كثيرة غير هذه مما توجب في الظاهر تكفيرهم بالإطلاق.
فاعلم أنه وإن كان كفرهم كثير من العلماء فقد أبقى عليهم دينهم وتردد فيهم كثير أو أكثر منهم، وكل فريق منهم في مقابلة من خالفه فليقع التحاكم عند العالم الأكبر المؤيد بالعصمة سيد البشر إمام المتقين، فهو عليه الصلاة والسلام حين قال:"مَجُوسُ ه?ذِهِ الأُمَّةِ"أضافهم إلى الأمة، وما حكم بأن لم يقل مجوس على الإطلاق وحين أخبر عن الفرق أنهم في النار فما أخبر أنهم خالدون فيها، وحين قال:"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"فقد قال متصلًا