الصفحة 27 من 40

أحدهما: أن يكون المراد به كفرًا دون كفر، ويسمى بذلك تعظيمًا لما أتى به المفشي وتعظيمًا لما ارتكبه، ويعترض هذا بأن يقال: لا يصح أن يسمى هذا كفرًا لأنه ضدّ الكفر؛ إذ الكفر الذي سمي على معناه ساتر، وهذا المفشي للسر ناشر، وأين النشر والإظهار من التغطية؟ والإعلان من الكتم؟ واندفاع هذا هين بأن يقال: ليس الكفر الشرعي تابع الاشتقاق، وإنما هو حكم لمخالفة الأمر وارتكاب النهي، فمن رد إحسان محسن أو جحد نعمة متفضل، فيقال عليه كافر لجهتين: إحداهما من جهة الاشتقاق ويكون إذ ذاك اسمًا ينبىء عن وصف، والثانية من جهة الشرع ويكون إذ ذاك حكمًا يوجب عقوبة، والشرع قد ورد بشكر المنعم، فافهم ولا تذهب مع الألفاظ ولا يغرنك العبارات ولا تحجبك التسميات، وتفطن لخداعتها واحترس من استدراجها، فإذًا من أظهر ما أمر بكتمه كان كمن كتم ما أمر بنشره، وفي مخالفة الأمر فيهما حكم واحد على هذا الاعتبار، ويدل على ذلك من جهة الشرع قوله:"لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ"وفي ارتكاب النهي عصيان، ويسمى في باب القياس على المذكور كفران البدن، وقسمة أخرى: وذلك أن العلم إن حلل إلى ما علم من أجزائه بالاستقراء، فرأس الإنسان تشابه سماء العالم من حيث إن كل ما علا فهو سماء، وحواسه تشابه الكواكب والنجوم من حيث إن الكواكب أجسام مشفة تستمد من نور الشمس فتضيء بها والحواس أجسام لطيفة مشفة تستمد من الروح فتضيء مسلك المدركات، وروح الإنسان مشابهة للشمس، فضياء العالم ونور نباته وحركة ضواريه وحيوانه وحياته فيها تظهر بتلك الشمس، وكذلك روح الإنسان به حصل في الظاهر نمو أجزاء بدنه ونبات شعره وحلول حياته وجعلت الشمس وسط العالم وهي تطلع بالنهار وتغيب بالليل، وجعلت الروح وسط جسم الإنسان وهي تغيب بالنوم وتطلع باليقظة، ونفس الإنسان تشابه القمر من حيث إن القمر يستمد من الشمس ونفسه تستمد من الروح، والقمر خالف الشمس والروح خالف النفس، والقمر آية ممحوة والنفس مثلها، ومحو القمر في آن لا يكون ضياؤه منه ومحو النفس في آن ليس عقلها منها، ويعتري الشمس والقمر وسائر الكواكب كسوف، وتعتري النفس والروح وسائر الحواس غيب وذهول، وفي العالم نبات ومياه ورياح وجبال وحيوان، وفي الإنسان نبات وهو الشعر، ومياه وهو العرق والدموع والريق والدم، وفيه جبال وهي العظام، وحيوان وهي هوام الجسم، فحصلت المشابهة على كل حال ولما كانت أجزاء العالم كثيرة ومنها ما هي لنا غير معروفة ولا معلومة كان في استقصاء مقابلة جميعها تطويل، وفيما ذكرناه ما يحصل به لذوي العقول تشبيه وتمثيل.

فإن قلت: أراك فرقت بين النفس والروح، وجعلت كل واحد منهما غير الآخر، وهذا قلما تساعد عليه، إذ قد كثر الخلاف في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت