فهرس الكتاب
فاعلم أنه إنما على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل، وأنت لو علمت النفس والروح علمت أنهما اثنان.
فإن قلت: قد سبق في الإحياء أنهما شيء واحد وقلت في هذه الإجابة إن النفس من أسماء الروح فالذي سبق في الإحياء ورأيت في هذه الإجابة وهو شيء واحد لا يتناقض مع ما قلناه الآن، وذلك أن لها معنى يسمى بالروح تارة وبالنفس أخرى، وبغيرذلك ثم لا يبعد أن يكون لها معنى آخر ينفرد باسم النفس فقط ولا يسمى بروح ولا غير ذلك، فهذا آخر الكلام في أحد وجهي الإضافة التي في ضمير صورته.
والوجه الآخر: وهو أن من حمل إضافة الصورة إلى الله تعالى على معنى التخصيص به؛ فذلك لأن الله سبحانه نبأ بأنه حي قادر سميع بصير عالم مريد متكلم فاعل، وخلق آدم عليه السلام حيًا قادرًا عالمًا سميعًا بصيرًا مريدًا متكلمًا فاعلًا، وكانت لآدم عليه السلام صورة محسوسة مكنونة مخلوقة مقدرة بالفعل وهي لله تعالى مضافة باللفظ، وذلك أن هذه الأسماء لم تجتمع مع صفات آدم إلا في الأسماء التي هي عبارة تلفظ فقط، ولا يفهم من ذلك نفي الصفات فليس هو مرادنا، وإنما مرادنا تباين ما بين الصورتين بأبعد وجوه الإمكان، حتى لم تجتمع مع صفات الله تعالى إلا في الأسماء الملفوظ بها لا غير، وفرارًا أن نثبت صورة لله تعالى ويطلق عليها حالة الوجود؛ فافهم هذا فإنه من أدق ما يقرع صدرك ويلج قلبك ويظهر لعقلك؛ ولهذا قيل لك: فإن كنت تعتقد الصورة الظاهرة ومعناه إن حملت إحدى الصورتين على الأخرى في الوجود تكن مشبهًا مطلقًا ومعناه نتيقن أنك من المشبهين لا من المنزهين وحكمت على نفسك بالتشبيه معتقدًا ولا تنكر، كما قيل: كن يهوديًا صرفًا وإلا فلا تلعب بالتوراة: أي تتلبس بدينهم وتريد أن لا تنسب إليهم: أي تقرأ التوراة ولا تعمل بها. وإن كنت تعتقد الصورة الباطنة منزهًا مجللًا ومقدسًا مخلصًا: أي ليس تعتقد من الإضافة في الضمير إلى الله تعالى إلا الأسماء دون المعاني، فتلك المعاني المسماة لا يقع عليها اسم صورة على حال. وقد حفظ عن الشبلي رحمة الله عليه في معنى ما ذكرنا من هذا الوجه قول بليغ مختصر، حين سئل عن معنى الحديث فقال: خلقه الله على الأسماء والصفات لا على الذات.
فإن قلت: فكذا قال ابن قتيبة في كتابه المعروف بتناقض الحديث حين قال: هو صورة لا كالصور، فلم أخذ عليه في ذلك؟ وأقيمت عليه الشناعة به؟ واطرح قوله ولم يرضه أكثر العلماء وأهل التحقيق؟
فاعلم أن الذي ارتكبه ابن قتيبة عفا الله عنه نحن أشد إعراضًا عنه وأبلغ في الإنكار عليه وأبعد الناس عن تسويغ قوله، وليس هو الذي ألممنا نحن به وأفدناك بحول الله وقوته إياه، بل