فهرس الكتاب
يدل منك أنك لم تفهم غرضنا، وذهلت عن تعقل مرادنا، ولم تفرق بين قولنا وبين ما قاله ابن قتيبة، ألم أخبرك أننا أثبتنا الصورة في التسميات، وهو أثبتها حالة للذات؛ فأين من لب الجوز قشور تفرقع، والذي يغلب على الظن في ابن قتيبة أنه لم يقرع سمعه هذه الدقائق التي أشرنا إليها وأخرجناها إلى حيز الوجود بتأييد الله تعالى بالعبارة عنها، وإنما ظهر له شيء لم يكن له به إلف، وعلاه الدهش فتوقف بين ظاهر الحديث الذي هو موجب عند ذوي القصور تشبيهًا وبين التأويل الذي ينفيه، فأثبت المعنى المرغوب عنه، وأراد نفي ما خاف من الوقوف فيه، فلم يتأت له اجتماع ما رام ولا نظام ما اقترف، فها هو صورة لا كالصور، ولكل ساقطة لاقطة، فتبادر الناس إلى الأخذ عنه.
ومعنى قاطع الطريق: {إنَّكَ بالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى} ومعنى {فاسْتَمِعْ} {إنَّي أنَا رَبُّكَ} "وما يوحى"أي ما يرد من الله تعالى بواسطة ملك. أو إلقاء في روع، أو مكاشفة بحقيقة، أو ضرب مثل، مع العلم بتأويله. ومعنى"لعلك"حرف ترويح، ومعنى إن لم تدركك آفة تقطعك عن سماع الوحي من إعجاب بحال أو إضافة دعوى إلى النفس أو قنوع بما وصلت إليه واستبداد به عن غيره. وسرادقات المجد: هي حجب الملكوت، وما نودي به موسى: هو علم التوحيد التي وسعت العبارة اللطيفة عنه بقوله حين قال له: {يا موسىَ إنَّني أنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنَا} فإن قلت: أراك قد أوجبت له نداء الله تعالى ونداء كلامه، والله تعالى يقول: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} "إنما هو على سبيل المبالغة في التفضيل، وهذا لا يصلح أن يكون لغيره ممن ليس بنبي ولا رسول، وإذا بان السبب وقصد بادر الشك العارض في مسالك الحقائق."
فنقول: ليس في الآية ما يرد ماقلنا ولا يكسره، لأنا ما أوجبنا أنه كلمه وقصد أولًا توخاه بالخطاب عمدًا. وإنما قلنا: يجوز أن يسمع ما يخاطب الله تعالى به غيره مما هو أعلى منه، أليس من يسمع كلام إنسان مثلًا مما يتكلم به غير السامع فيقال فيه إنه كليمه؟.
وقد حكي أن طائفة من بني إسرائيل سمعوا كلام الله تعالى الذي خاطب به موسى حين كلمه، ثم إذا ثبت ذلك لم يجب لهم به درجة موسى عليه السلام ولا المشاركة في نبوته ورسالته، على أنا نقول نفس ورود الخطاب إلى السامعين من الله تعالى يمكن الاختلاف فيه، فيكون النبي المرسل يسمع كلام الله تعالى عَزَّ وجَلَّ الذاتي القديم بلا حجاب في السمع ولا واسطة بينه وبين القلب، ومن دونه يسمعه على غير تلك الصورة مما يلقى في روعه ومما ينادى في سمعه أو سره وأشباه ذلك، ذكر أن قوم موسى عليه السلام حين سمعوا كلام الله سبحانه مع موسى أنهم سمعوا صوتًا كالشبور ـ وهو القرآن ـ فإذا صح ذلك فبتباين المقامات اختلف ورود الخطاب.